بين الاتفاق الأميركي - الإيراني والجنوب اللبناني: هل يواجه حزب الله معادلة جديدة؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- يحمل التصريح الصادر عن مسؤول أميركي رفيع بشأن الاتفاق المرتقب مع إيران دلالات تتجاوز الملف النووي نفسه. فحين تتحدث واشنطن عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإخراج المواد المخصبة من إيران، وإقامة نظام تفتيش طويل الأمد، مقابل إعادة دمج طهران في الاقتصاد العالمي، فإنها ترسم إطاراً جديداً للعلاقة مع الجمهورية الإسلامية يتجاوز حدود التخصيب وأجهزة الطرد المركزي إلى إعادة صياغة الدور الإيراني في المنطقة.
وفي هذا السياق، يكتسب لبنان أهمية خاصة بوصفه إحدى الساحات الأكثر ارتباطاً بالنفوذ الإيراني، من خلال حزب الله الذي يجد نفسه اليوم أمام مرحلة إقليمية مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.
فاللافت في التصريحات الأميركية ليس فقط الحديث عن السلام الطويل الأمد، بل الإشارة الواضحة إلى وقف تمويل ما تصفه واشنطن بـ"العنف الإرهابي" في المنطقة. وهي عبارة يفهم منها أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الاتفاق باعتباره مدخلاً لمعالجة الملفات الأمنية الإقليمية بالتوازي مع معالجة الملف النووي.
ومن هنا يبرز السؤال اللبناني، كيف سيتعامل حزب الله مع أي تفاهم أميركي - إيراني جديد، فيما يصر على ربط وقف إطلاق النار الشامل بتطبيقه على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما الجنوب، وعلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية بصورة كاملة؟
هذا الموقف لا يبدو متقاطعاً بالكامل مع الاتجاهات الأميركية والإسرائيلية الحالية، التي تدفع نحو ترتيبات أمنية مباشرة على الحدود الجنوبية، وإلى استكمال المفاوضات غير المباشرة أو المباشرة بين لبنان وإسرائيل لمعالجة النقاط العالقة وتثبيت الاستقرار الحدودي وفق مقاربة منفصلة نسبياً عن المسار الإقليمي الأوسع.
كما أن الدولة اللبنانية نفسها، ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة، تبدو متمسكة بخيار التفاوض لمعالجة الملفات الحدودية والأمنية، انطلاقاً من اعتبار أن حماية الجنوب وإعادة إعماره وعودة سكانه تتطلب مساراً سياسياً ودبلوماسياً واضحاً، لا الاكتفاء بمنطق الردع العسكري المتبادل.
وبين هذين المسارين، يجد حزب الله نفسه أمام تحدٍ مزدوج، فمن جهة يسعى إلى الحفاظ على دوره بوصفه جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران، ومن جهة أخرى يواجه واقعاً لبنانياً يزداد ميلاً إلى البحث عن تسويات سياسية تضع حداً للحروب المفتوحة التي أنهكت الجنوب وأثقلت الاقتصاد اللبناني المنهار أصلاً.
لذلك قد لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كان الاتفاق الأميركي - الإيراني سيولد أم لا، بل ما إذا كان لبنان سيكون قادراً على استثمار أي لحظة تهدئة إقليمية للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات العسكرية إلى مرحلة بناء استقرار دائم. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وقف النار فحسب، بل في إنتاج رؤية لبنانية موحدة لمستقبل الجنوب ودور السلاح والعلاقة مع إسرائيل، وهي أسئلة ستعود بقوة إلى واجهة النقاش كلما اقتربت واشنطن وطهران من أي تفاهم جديد.
الاتصالات اللبنانية الرسمية متواصلة
مع أن لبنان بدأ معنياً بتتبع "ظاهرة" التضارب الصارخ في المعطيات والمعلومات التي أطلقها كل من الجانبين الأميركي والإيراني حول مذكرة التفاهم التي يتردد أنها قد تكون على مقربة من الإعلان والإبرام والتوقيع في وقت وشيك، خصوصاً أن هذا التضارب يشمل مسألة وقف النار في لبنان، فإن ذلك لم يحجب تصاعد الحركة الدبلوماسية البارزة التي يشهدها المسار اللبناني الصرف والخاص، انطلاقاً من الاستعدادات للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية – الأميركية في واشنطن اعتباراً من 22 حزيران الحالي.
ويبدو أن لبنان يقف اليوم عند تقاطع مسارين متوازيين: الأول إقليمي يتصل بالتفاهم الأميركي – الإيراني وما يمكن أن يتركه من انعكاسات على ساحات النفوذ والتوتر في المنطقة، والثاني لبناني مباشر يتصل بالمفاوضات الجارية حول تثبيت وقف النار وترتيبات الحدود الجنوبية. وبين المسارين تبرز مفارقة لافتة تتمثل في أن القوى اللبنانية المعنية بالملف الجنوبي تبدو أكثر التصاقاً بالمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن، فيما تستمر بعض القوى، وفي مقدمها "حزب الله"، في ربط مصير الجبهة الجنوبية بالتطورات الإقليمية وبمآلات التفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران.
ذلك أن الاستعدادات للجولة المقبلة تزامنت مع حركة سعودية لافتة تعاقبت فصولها سريعاً في الساعات الأخيرة، إذ تُوِّجت بوصول سفير المملكة الجديد فهد الدوسري إلى بيروت تمهيداً لتقديم أوراق اعتماده، فيما تتواصل جولة اللقاءات والاتصالات التي يجريها الموفد السعودي إلى بيروت الأمير يزيد بن فرحان مع كبار المسؤولين، والتي تتناول ملفات سياسية وأمنية واقتصادية، وتركز في شكل خاص على أهمية الوحدة الداخلية واستكمال مسار بناء الدولة ومؤسساتها.
وتكتسب هذه الحركة أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى وجود إرادة عربية ودولية للفصل بين مسار الاستقرار اللبناني وبين أي تفاهمات إقليمية واسعة قد تتأخر أو تتعثر. فالمناخ الدبلوماسي السائد يوحي بأن المجتمعين العربي والدولي يدفعان نحو مقاربة تعتبر أن الجنوب اللبناني لا يمكن أن يبقى رهينة انتظار التسويات الكبرى، وأن معالجة الوضع الحدودي والأمني باتت جزءاً من متطلبات إعادة تثبيت الدولة اللبنانية واستعادة الثقة الدولية بها.
وتحدثت تقارير إعلامية عن تمحور الاتصالات في الساعات الأخيرة بين دوائر بعبدا والسرايا الحكومية وعين التينة حول ما وُصف بخطة لبنانية كاملة تحظى بموافقة جامعة تمهيداً لوقف النار بمؤازرة سعودية وقطرية، كما تحدثت عن لقاء عقد بين السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى ومستشار رئيس مجلس النواب علي حمدان تركز على التفاصيل المتعلقة بالمناطق التجريبية. غير أن أوساطاً مطلعة أفادت بأن هناك قنوات اتصالات متعددة على المحور اللبناني، أبرزها التحرك السعودي، لكن الحديث عن خطة جديدة لا يخرج عن إطار الخيار التفاوضي الذي يمضي قدماً في واشنطن.
وفي هذا السياق، تبرز نقطة بالغة الدلالة تتمثل في أن الإصرار اللبناني الرسمي على مواصلة التفاوض غير المباشر مع إسرائيل يتقاطع مع توجهات أميركية وإسرائيلية وعربية ترى أن معالجة الوضع في الجنوب تستوجب ترتيبات تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً، فيما لا يبدو أن هذه المقاربة تتطابق بالكامل مع موقف "حزب الله" الذي لا يزال يربط وقف النار الدائم بجملة من الاعتبارات السياسية والإقليمية الأوسع. ومن هنا يكتسب الاستحقاق التفاوضي المقبل أهمية استثنائية، لأنه قد يشكل أول اختبار فعلي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالمسار التفاوضي وتقديم رؤية موحدة حول مستقبل الجنوب بعيداً من الحسابات الإقليمية المتشابكة.
لذلك تتجه الأنظار إلى الجولة الخامسة المرتقبة في واشنطن بوصفها محطة مفصلية قد تحدد ليس فقط مصير الترتيبات الأمنية على الحدود، بل أيضاً موقع لبنان في مرحلة ما بعد التفاهم الأميركي – الإيراني، إذا ما أبصر النور. فبين الرهان على التسويات الإقليمية الكبرى وبين خيار التفاوض المباشر حول المصالح اللبنانية، تبدو بيروت أمام فرصة لإعادة تثبيت أولوياتها الوطنية، ووضع ملف الجنوب في إطار سيادة الدولة ومؤسساتها، لا في إطار انتظار التحولات التي قد تأتي أو لا تأتي من الخارج.