الجنوب يختبر الدولة قبل التفاوض
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-في واشنطن، جلس سفيرا لبنان وإسرائيل نحو ساعتين للبحث في التطورات وآلية تنفيذ "صيغة الإطار". وفي الجنوب، كان السفير الأميركي ميشال عيسى يتفقد زوطر الغربية وقَعقعية الجسر، حيث تختبر الدولة اللبنانية نموذجاً جديداً لحضور الجيش وإعادة تثبيت الحياة في مناطق الجنوب. وبين المشهدين، بدت صورة لبنان أكثر وضوحاً من أي وقت مضى فالدبلوماسية تتحرك، لكن الميدان لم يهدأ، والتفاوض مستمر، لكن شروطه لم تستقر بعد.
لم يكن اجتماع واشنطن جولة تفاوض رسمية جديدة، وفق المعطيات المعلنة، بل لقاءً بين سفيري البلدين لمناقشة التطورات ومواصلة تنفيذ الإطار الذي جرى التوصل إليه في حزيران الماضي. وجاء الاجتماع بعد تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات في روما إلى تشرين الأول.
لكن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في ما قيل خلال الساعتين، بل في أنه حصل أصلاً في لحظة كان يمكن أن يبدو فيها المسار التفاوضي متعثراً إلى حد الجمود.
فلبنان لا يستطيع، في نهاية المطاف، أن يتجاهل التفاوض. الحرب ليست بديلاً عن السياسة، ولا يمكن للدولة أن تستعيد الجنوب أو تعيد إعماره أو تؤمّن عودة سكانه من دون مسار سياسي يضع حداً للوقائع العسكرية المفتوحة.
لكن المشكلة أن التفاوض لا يجري في فراغ.
إسرائيل لا تزال تحتل عسكرياً أجزاء من الجنوب، والضربات لم تتوقف، فيما تبقى قضية الانسحاب وعودة السكان وإعادة الإعمار في صلب الموقف اللبناني. وفي المقابل، تريد إسرائيل، بحسب ما تنقله مصادر وتقارير، ربط أي خطوات إضافية في الانسحاب بما تعتبره ضمانات أمنية وبمدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرة الدولة في المناطق التي تنسحب منها.
وهنا تحديداً تكمن العقدة.
لبنان يريد أن يؤدي انتشار الجيش إلى استعادة السيادة، فيما تريد إسرائيل أن ترى نتائج هذا الانتشار قبل أن تتقدم في الانسحاب.
وبين الشرطين تتحرك واشنطن.
واشنطن تنقل التفاوض من الورق إلى الأرض.
زيارة السفير الأميركي إلى الجنوب ليست منفصلة عن اجتماع واشنطن.
فقد زار عيسى زوطر الغربية وقَعقعية الجسر للاطلاع مباشرة على التقدم المحرز والتحديات القائمة في "المناطق التجريبية".
وهذا يعني أن واشنطن لا تنظر إلى المسار اللبناني ـ الإسرائيلي من زاوية المفاوضات وحدها، بل تراقب أيضاً ما يجري على الأرض: انتشار الجيش، قدرة الدولة على إدارة المنطقة، ظروف السكان، وإمكان تحويل هذه المناطق إلى نموذج يمكن البناء عليه.
ومن هنا ربما تكمن أهمية "المناطق التجريبية".
فهي ليست مجرد مساحة جغرافية محدودة، بل اختبار لفكرة أكبر،هل يمكن للدولة اللبنانية أن تستعيد حضورها في الجنوب خطوة خطوة، قبل الوصول إلى تسوية شاملة؟
إذا نجحت التجربة، يمكن توسيعها. وإذا تعثرت، يصبح من الأصعب إقناع الأطراف الأخرى بالانتقال إلى مراحل جديدة.
ولذلك تبدو زوطر اليوم أكثر من مجرد بلدة جنوبية. إنها، بطريقة ما، جزء من الاختبار الذي تخضع له الدولة اللبنانية نفسها.
لكن الطريق لا يزال طويلاً.
فلبنان لا يحتاج فقط إلى مفاوضات تمنع الحرب، ولا إلى جيش ينتشر بعد الحرب، بل إلى مسار يجعل الدولة نفسها هي الطرف الذي يجمع بين الميدان والتفاوض.