Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

قانون الإعلام : لماذا تراه النقابتان تهديداً ويراه الآخرون إصلاحاً؟

تفاجأت الأوساط الاعلامية بعدد واسع من الترحيب الدولي بقانون الاعلام الجديد الذي تعارضه نقابتا الصحافة والمحررين.
الصحافة والمحررون
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

ليبانون تابلويد- بين اعتراض نقابتي الصحافة والمحررين، وترحيب الاتحاد الأوروبي واليونسكو ومنظمات حقوقية وإعلامية، يفتح قانون الإعلام الجديد نقاشاً يتجاوز نصوصه إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام قانون يهدد حرية الصحافة، أم أمام إصلاح تأخر ستة عشر عاماً ويحتاج إلى تصحيح بعض مواده؟
لم يكد مجلس النواب يقرّ القانون حتى بدا المشهد الإعلامي اللبناني منقسماً على نحو لافت. فالنقابتان رأتا فيه تهديداً لبعض الضمانات المهنية وحقوق الصحافيين، فيما قرأت فيه جهات دولية وحقوقية خطوة إصلاحية طال انتظارها. وهذه المفارقة هي التي تستحق التوقف عندها ،فكيف يمكن للنص نفسه أن يُقرأ في الداخل باعتباره مصدر قلق للمهنة، وأن يُستقبل خارجياً باعتباره تقدماً في مجال حرية الإعلام؟
كان الاتحاد الأوروبي الأكثر وضوحاً في ترحيبه، إذ اعتبر القانون إصلاحاً طال انتظاره، ورأى في بعض أحكامه تعزيزاً لحماية الصحافيين وحرية التعبير، وإلغاءً للطابع الجرمي عن بعض مخالفات النشر، ووضع معايير أوضح في ما يتعلق بخطاب الكراهية، فضلاً عن تعزيز الشفافية في ملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها. لكنه ربط هذا الترحيب بشرط أساسي وهو أن يُطبَّق القانون بما يتوافق مع المعايير الدولية ويحافظ على أهدافه الإصلاحية.
ولم يقتصر الموقف الإيجابي على الجهات الدولية. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان اعتبرت القانون"خطوة إيجابية ومتقدمة" نحو تحديث التشريع الإعلامي وحماية الصحافيين، وإن كانت قد سجلت عليه ملاحظات تتعلق باستقلال الهيئة الوطنية للإعلام، والشفافية في الملكية والتمويل، وحماية المصادر واستقلال القرار التحريري. كما رحّب تحالف الدفاع عن حرية الرأي والتعبير بإقرار القانون بعد مسار تشريعي استمر 16 عاماً، لكنه أبقى على اعتراضه على استمرار تجريم نشر "الأخبار الكاذبة"، داعياً إلى معالجة هذه المسألة.
وهنا تظهر نقطة أساسية في النقاش وهي أنّ  الترحيب بالقانون لا يعني اعتباره كاملاً. فمعظم الجهات التي أيدت إقراره وضعت إلى جانب الترحيب مجموعة من التحفظات والشروط، ما يعني أن المعسكر المؤيد لا يراه نصاً منزهاً عن النقد، بل إطاراً إصلاحياً قابلاً للتطوير.
في المقابل، لا يمكن اختزال اعتراض نقابتي الصحافة والمحررين في رفض التحديث أو في موقف محافظ من التشريع الجديد. فالنقابتان تنطلقان من أسئلة مهنية مباشرة، هل يوفر القانون حماية فعلية للصحافي؟ وهل يضع حداً لاستخدام الملاحقة القضائية في قضايا النشر؟ وهل يحافظ على خصوصية المهنة في زمن تداخلت فيه الصحافة التقليدية مع المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي؟
وهذه المخاوف تكتسب أهميتها من التحول الكبير الذي شهدته البيئة الإعلامية اللبنانية منذ صدور قانون المطبوعات. فالإعلام لم يعد صحيفة أو إذاعة أو محطة تلفزيونية فقط، بل أصبح فضاءً رقمياً واسعاً يشارك فيه الصحافي والمؤسسة والمواطن والمنصة، وتدخل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي أيضاً في إنتاج المحتوى وتداوله.
من هنا تأتي إحدى ملاحظات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، التي رأت ضرورة التمييز بوضوح أكبر بين حرية التعبير، وهي حق عام، وحرية الصحافة، التي تحتاج إلى ضمانات مهنية ومؤسساتية خاصة، ومنها حماية المصادر والسرية المهنية واستقلال القرار التحريري.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر دقة هو هل نحن مع القانون أم ضده؟ بل،  أي قانون إعلام نريد، وكيف نضمن ألا تتحول مواده إلى قيود جديدة على العمل الصحافي؟
فإذا كان القانون قد ألغى بعض القيود القديمة وخفف المقاربة الجزائية في عدد من قضايا النشر، فإن هذه المكتسبات تستحق الحماية. وإذا كانت بعض مواده لا تزال تثير مخاوف مهنية وحقوقية، فإن معالجتها تصبح جزءاً من استكمال الإصلاح، لا سبباً لإسقاطه بالكامل.
وفي هذا المعنى، لا ينبغي أن تتحول المواقف الدولية المرحبة بالقانون إلى ذريعة لتجاهل اعتراضات النقابتين، كما لا ينبغي أن يؤدي اعتراض النقابتين  إلى إغفال الإصلاحات التي يتضمنها النص. فبين الطرفين مساحة واسعة للنقاش حول كيفية حماية الصحافي من جهة، وتنظيم المجال الإعلامي الجديد من جهة أخرى.
والواقع أن قانوناً انتظر لبنان إقراره أكثر من ستة عشر عاماً لا يمكن الحكم عليه في يوم صدوره. فقد امتد مساره التشريعي منذ عام 2010، وشهد عشرات جلسات النقاش في اللجان النيابية. لذلك فإن الاختبار الفعلي يبدأ الآن، في التطبيق، وفي المراسيم، وفي استقلال الهيئة الوطنية للإعلام، وفي كيفية تعامل القضاء مع قضايا النشر، وفي تفسير المواد التي لا تزال موضع تحفظ، وفي قدرة الصحافي والمؤسسة الإعلامية على العمل من دون ضغوط سياسية أو مالية.
لهذا، قد تكون المواجهة الحالية بين النقابتين والجهات المرحبة بالقانون فرصةً لإعادة فتح النقاش حوله، لا لتحويله إلى معركة صفرية. فالنقابتان تملك حق الاعتراض والمطالبة بالتعديل، والجهات الدولية والمدنية التي رحبت به لم تمنحه شهادة كمال، بل ربطت نجاحه بحسن التطبيق واستكمال الإصلاح.
القانون الجديد ليس نهاية معركة حرية الإعلام في لبنان، بل بداية مرحلة تشريعية جديدة.
والاختبار الحقيقي لن يكون في بيانات الترحيب أو الاعتراض، بل عندما يكتب الصحافي ما لا يعجب السلطة، أو يكشف ما تريد مؤسسة ما إخفاءه، أو ينتقد مسؤولاً أو جهة نافذة،فهل سيجد في القانون حمايةً لعمله، أم مادةً جديدة لملاحقته؟
عندها فقط يمكن الحكم على ما إذا كان لبنان قد انتقل فعلاً إلى قانون إعلام حديث، أم أنه نقل بعض مشكلات القانون القديم إلى لغة قانونية جديدة.
 

آخر الأخبار