Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية

أي لبنان يتشكل بين بعبدا والضاحية وواشنطن؟

تتقاطع العناوين الأمنية والسياسية والاقليمية عند نقطة من التحولات الظاهرة في لبنان.
جنوب لبنان
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


المحرر السياسي-من الصعب استرجاع مرحلة في تاريخ لبنان الحديث شهدت هذا الكم من التحولات المتزامنة.
فبينما تنشغل الأنظار بتفاصيل وقف إطلاق النار على الجبهة الجنوبية، يبدو أن ما يجري يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو تفاهمات عسكرية مؤقتة. فلبنان يقف اليوم أمام لحظة سياسية قد تؤسس لمرحلة مختلفة في علاقاته الداخلية والخارجية، وفي طبيعة التوازنات التي حكمته خلال العقود الماضية.
في الظاهر، تدور الأحداث حول تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. لكن في العمق، يدور صراع آخر يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، وبالسؤال الذي عاد بقوة إلى الواجهة: من يملك القرار الاستراتيجي في لبنان؟
أظهرت الأشهر الأخيرة بروز خطاب رسمي لبناني أكثر تمسكاً بمنطق الدولة والمؤسسات. فالرئاسة اللبنانية تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً أساسياً في إدارة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة، في وقت لم يعد فيه المجتمع الدولي مستعداً للتعامل مع لبنان وفق المعادلات القديمة التي كرست تعدد مراكز القرار. وهذا التحول لا يعني بالضرورة مواجهة مباشرة مع حزب الله، لكنه يعكس محاولة لإعادة الاعتبار لدور الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.
في المقابل، يواجه حزب الله واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ حرب تموز 2006. فالحزب لا يتعامل فقط مع الضغوط العسكرية الإسرائيلية، بل مع بيئة سياسية وإقليمية مختلفة. فإيران نفسها منشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، فيما تتزايد الضغوط الدولية لإيجاد ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود اللبنانية الجنوبية.
ومن هنا يبرز السؤال حول النفوذ الإيراني في لبنان. فالكثير من المؤشرات توحي بتراجع قدرة طهران على التأثير المباشر في القرار اللبناني مقارنة بما كان عليه الوضع في السنوات السابقة. غير أن الحديث عن نهاية هذا النفوذ قد يكون مبالغاً فيه، إذ إن ما يجري أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انسحاب كامل. فإيران لا تزال تمتلك أوراقاً مهمة داخل الساحة اللبنانية، لكنها تواجه واقعاً جديداً يفرض عليها اعتماد أساليب مختلفة للحفاظ على حضورها.
وفي موازاة هذه التحولات، تتعزز رعاية الولايات المتحدة للمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل. فواشنطن لم تعد تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل تبدو كأنها ترسم الإطار العام للمرحلة المقبلة، سواء على مستوى الترتيبات الأمنية أو على مستوى الضمانات السياسية المطلوبة من الطرفين. وهذا الحضور الأميركي المتزايد يعكس قناعة دولية بأن استقرار الجنوب اللبناني أصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز حدود لبنان نفسه.
لكن التحدي الأكبر يبقى داخلياً. فالحرب خلفت دماراً واسعاً في مناطق الجنوب، والدولة اللبنانية تعاني أزمة مالية غير مسبوقة تجعلها عاجزة عن تحمل أعباء إعادة الإعمار. ومن هنا تتحول مسألة إعادة البناء إلى ملف سياسي بامتياز، مرتبط بالمساعدات الخارجية وبشروط المجتمع الدولي وبطبيعة التسوية التي ستنتج عن المفاوضات الجارية.
وربما يكون التحول الأهم هو ذلك الذي يحدث بعيداً عن السياسة. فلبنان يتغير اجتماعياً واقتصادياً بوتيرة سريعة. الهجرة مستمرة، والطبقة الوسطى تتراجع، والاقتصاد النقدي يفرض قواعده الجديدة، فيما تتبدل أولويات اللبنانيين من القضايا الإيديولوجية الكبرى إلى هموم المعيشة والاستقرار وفرص العمل. وهذه التحولات قد تكون أكثر تأثيراً على مستقبل البلاد من أي اتفاق سياسي أو أمني.
لهذا كله، لا يبدو أن لبنان يعيش مجرد مرحلة ما بعد حرب، بل مرحلة ما بعد حقبة كاملة. فالتوازنات التي نشأت بعد عام 2006 تتعرض اليوم لاختبار جدي، والعلاقات بين الدولة وحزب الله تعاد صياغتها، والنفوذ الإيراني يواجه تحديات جديدة، فيما تزداد الأدوار الدولية حضوراً في رسم مستقبل البلاد.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح لبنان في استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، أم أن البلاد ستدخل دورة جديدة من التوازنات الهشة التي تؤجل الأزمات من دون أن تعالج أسبابها؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل لبنان في السنوات المقبلة، وربما شكل المنطقة بأسرها.

 

آخر الأخبار