Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

الثنائي الشيعي والنافذة على الأميركيين: هل تقود المعادلة إلى الفدرلة أم إلى التقسيم؟

في اللحظة التي تعيد فيها واشنطن تصنيف حزب الله بوصفه يعمل في خدمة النظام الإيراني وتستهدف شبكاته المالية، يعلن الحزب استعداده لعدم إغلاق باب التواصل مع واشنطن.
الثنائي الشيعي
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي – لم يكن توقيت كلام عضو المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي عابرًا. ففي الوقت الذي شددت فيه واشنطن عقوباتها على الحزب، وأعادت تصنيفه على أساس عمله في خدمة النظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس"، واستهدفت عشرة أشخاص قالت إنهم جزء من شبكة تنقل الأموال إلى الحزب عبر إيران وتركيا والإمارات ولبنان، قال قماطي إن الحزب "لا يغلق الباب بصورة نهائية" أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وإن القرار يُتخذ وفق «المصلحة والظروف المناسبة».
المفارقة هنا تستحق التوقف.
ففي الوقت الذي يهاجم فيه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم السياسة الأميركية، يبقي الحزب، عبر أحد قيادييه، باب التواصل المباشر مع واشنطن مفتوحًا. وهذا يعني أن العداء السياسي لا يمنع، عندما تقتضي مصلحته السياسية والحزبية، البحث عن قناة مع الطرف الأميركي.
لكن السؤال اللبناني الذي يفرض نفسه هو،إذا كان حزب الله يجيز لنفسه فتح قنوات مع واشنطن عندما تقتضي "المصلحة والظروف المناسبة"، فلماذا لا يكون الانفتاح على الولايات المتحدة حقًا للدولة اللبنانية، وهي صاحبة الصلاحية الدستورية في إدارة العلاقات الخارجية والتفاوض باسم لبنان؟
المشكلة ليست في التواصل مع الأميركيين في حد ذاته، بل في من يملك قرار التواصل، ومن يحدد المصلحة الوطنية، ومن يتفاوض باسم لبنان.
وهنا تكتسب تصريحات قماطي دلالتها الأوسع. فالحزب يقول إنه يمنح المسار السياسي فرصة، وإنه لا يريد في هذه المرحلة الانجرار إلى مواجهة شاملة، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بالسلاح وبالقدرة على تحديد متى ينتهي "الصبر السياسي" ومتى يبدأ الرد.
وهنا تحديدًا يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله، من يقرر متى تنتهي السياسة ويبدأ السلاح؟
وتزداد المفارقة وضوحًا مع الموقف الأخير للرئيس نبيه بري، الذي قال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على ضبط إسرائيل. بصرف النظر عن صواب هذا التقدير أو خطئه، فإنه يطرح سؤالًا سياسيًا أوسع، هل نحن أمام تقاطع في الموقف بين طرفي الثنائي الشيعي، بحيث يحتفظ حزب الله بقناة مفتوحة مع واشنطن، فيما يوجّه رئيس المجلس النيابي رسالة سياسية إلى الرئيس الأميركي نفسه، باعتباره مفتاح الضغط على إسرائيل؟
ليس من الضروري افتراض وجود تنسيق مباشر بين الموقفين حتى تبرز دلالتهما. يكفي أن يتقاطعا في رسم مقاربة سياسية يبدو معها أن الثنائي الشيعي يريد أن يدير جزءًا من مسار التفاوض والحرب والسلم، متجاوزًا الإطار الدستوري الذي يفترض أن تديره السلطة التنفيذية، رغم أن الحكومة تضم وزراء يمثلون هذا الثنائي.
وهنا تصبح المسألة أبعد من تصريحات قماطي أو بري.
فلبنان اليوم أمام سلطة تنفيذية يمثلها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يفترض أن تكون صاحبة القرار في السياسة الخارجية والتفاوض، فيما يبدو أن الثنائي الشيعي يحتفظ لنفسه بهامش مستقل في تحديد كيفية التعاطي مع واشنطن وإسرائيل.
وهذه هي المفارقة الأكثر إثارة، فبعدما احتكر حزب الله قرار الحرب طوال سنوات، هل يندفع الثنائي الشيعي اليوم إلى محاولة احتكار قرار السلام أيضًا، ولكن على طريقته؟
فإذا كان الحزب قد قرر "الصبر" وإعطاء السياسة فرصة، وإذا كان بري يرى أن ترامب هو القادر على ضبط إسرائيل، فإن السؤال يصبح، لماذا لا يحق للدولة نفسها تبني هذه القناعة، فهي التي تتفاوض، وهي التي تفتح القنوات، وهي التي تحدد مصلحة لبنان؟
قد يكون لبنان أمام لحظة مختلفة وهي الانتقال من احتكار قرار الحرب إلى محاولة احتكار قرار السلام.
وهنا لا تعود القضية ما إذا كان حزب الله يريد الحرب أو السلام، بل ما إذا كان لبنان يستطيع، أخيرًا، أن يجعل الحرب والسلام والتفاوض والعلاقات الخارجية قرارات للدولة وحدها، وفق ما يجيزه الدستور من صلاحيات للسلطات الشرعية.
فإذا كان "الصبر السياسي" يعني إعطاء الدبلوماسية فرصة، فإن الاختبار الحقيقي له ليس في قدرة حزب الله على الانتظار، بل في ما إذا كان سيقبل بأن تكون الدبلوماسية اللبنانية، مثل الحرب والسلم، من اختصاص الدولة لا قرارًا موازيًا لها، لأن استمرار تعدد مراكز القرار لا يعني فقط ازدواجية في السياسة الخارجية، بل قد يقود، مع الوقت، إلى نوع من الفدرلة السياسية غير المعلنة، دولة تفاوض باسم لبنان، وقوى سياسية تفاوض أو تضغط أو تفتح قنوات باسم جزء منه.
وهنا تحديدًا قد تبدأ المعادلة بالتغيّر، ليس نحو السلام وحده، بل نحو السؤال الأخطر، هل يبقى لبنان دولةً موحّدة القرار، أم يتجه، بفعل تعدد مراكز القرار، إلى صيغة فدرالية أو أبعد من الفدرالية؟ فحتى في النظام الفدرالي تبقى السياسة الخارجية والدفاع من اختصاص السلطة المركزية. فماذا يعني، إذًا، أن تتعدد قنوات التفاوض وقرارات الحرب والسلم؟ وهل يقود هذا النوع من المواقف الانفرادية ، في ظل هذا المسار، إلى مزيد من التوحيد أم إلى تكريس انقسام سياسي قد يتجاوز الفدرالية إلى التقسيم؟

 

آخر الأخبار