Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

الخط الأصفر يتمدّد وإسرائيل تقضم الجنوب على مراحل

تتشكّل في مسار واحد:القضم الميداني، والخط الأصفر، وتلال علي الطاهر، ومفاوضات روما، والصفقات .
علي الطاهر
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لا تبدو إسرائيل في جنوب لبنان وكأنها تستعد لحرب واسعة جديدة بقدر ما تبدو وكأنها تخوض حربًا من نوع آخر، حرب القضم التدريجي وصناعة الوقائع على الأرضفبدل الاجتياح الكبير والسيطرة المباشرة على مساحة واسعة، يجري التقدم من نقطة إلى أخرى، ومن تلة إلى أخرى، بحيث تتحول كل خطوة ميدانية إلى واقع جديد، وكل واقع جديد إلى ورقة تفاوضية.

من هنا يكتسب "الخط الأصفر" أهميته. فهذا الخط الذي قُدّم باعتباره حدًا أمنيًا إسرائيليًا داخل الجنوب اللبناني لا يبدو ثابتًا تمامًا، إذ إن التحركات العسكرية الإسرائيلية في عدد من المواقع تجاوزته، أو تعاملت معه باعتباره نقطة انطلاق قابلة للتعديل. وهكذا يصبح الخط، بدل أن يكون حدًا نهائيًا، خطًا متحركًا ترسمه إسرائيل بالنار ثم تحاول تثبيته بالتفاوض.

وإذا كانت إسرائيل سيطرت على مناطق استراتيجية  ورمزية  كقلعة الشقيف وبنت جبيل والخيام ومواقع أخرى، فإن تلال علي الطاهر تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لهذا الأسلوب. فالمسألة هنا ليست احتلال مدينة أو بلدة بالمعنى التقليدي، بل السيطرة على المرتفعات التي تمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والتحكم بالنار والحركة. ولذلك قد تكون التلة أحيانًا أهم من البلدة نفسها.

وهذا ما يجعل تلال علي الطاهر ذات دلالة خاصة. فبدل أن تعلن إسرائيل بصورة صريحة أنها قامت بعملية احتلال واسعة للموقع، جاء خطاب بنيامين نتنياهو أكثر حذرًا، إذ تحدث عن تحييد التهديد الذي كانت تمثله التلال، لا عن إعلان سيطرة إسرائيلية نهائية عليها. وهذه اللغة ليست تفصيلًا سياسيًا، فهي تعكس نمطًا جديدًا من السيطرة يتمثّل في أن تمنع الطرف الآخر من استخدام الموقع، وتفرض حوله واقعًا عسكريًا وأمنيًا جديدًا، من دون الحاجة إلى إعلان احتلال رسمي له.

وهنا تكمن خطورة ما يجري. فالسيطرة في الحروب الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى رفع العلم أو إقامة إدارة عسكرية. يمكن أن تتحقق عبر منع السكان من العودة، وتدمير البنية العسكرية، وإغلاق طرق الوصول، وفرض منطقة حركة ونار، أو إبقاء الجيش اللبناني وحزب الله أمام واقع لا يستطيعان تغييره من دون الدخول في مواجهة جديدة.

وبذلك يصبح السؤال أقل ارتباطًا بمساحة الأرض التي احتُلت، وأكثر ارتباطًا بمساحة الأرض التي أصبحت إسرائيل قادرة على التحكم بها.

المفارقة أن هذا المسار العسكري يجري بالتزامن مع المفاوضات في روما. فبينما يجلس المفاوضون للبحث في الانسحاب والترتيبات الأمنية وانتشار الجيش اللبناني، تستمر الخريطة الميدانية في التغير. وهذه هي المعادلة الأخطر، فالمفاوض اللبناني يدخل غرفة التفاوض بخريطة، بينما قد يدخل المفاوض الإسرائيلي إليها بخريطة تتبدل على الأرض.

وكلما تغيرت الخريطة، تغيرت نقطة التفاوض.

لذلك لا ينبغي النظر إلى مفاوضات روما فقط من زاوية الملفات العسكرية الكبرى. فالمفاوضات بدأت تدخل أيضًا في تفاصيل و"صفقات" قابلة للتنفيذ، مثل مسألة الأسرى اللبنانيين، إلى جانب معلومات وتقارير عن بحث ملف رفات يهود لبنانيين قُتلوا أو اختفوا خلال الحرب الأهلية. وقد تبدو هذه الملفات إنسانية في ظاهرها، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن مسار التفاوض يتحرك أحيانًا عبر تسويات جزئية وصفقات صغيرة قبل الوصول إلى التسوية الكبرى.

فإسرائيل لا تحتاج، لكي تحقق أهدافها، إلى القول إنها تريد احتلال الجنوب اللبناني كله. خطابها يقوم أساسًا على الأمن، وإبعاد حزب الله، ومنع تكرار الهجمات، وإنشاء منطقة تستطيع من خلالها حماية حدودها ومستعمراتها الشمالية. لكن النتيجة العملية قد تكون قيام منطقة لبنانية تُفرغ من سكانها، وتُدمّر بنيتها، ويُحدّ من قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة سلطتها الكاملة فيها، ثم تتحول هذه المنطقة نفسها إلى موضوع تفاوض.

وهذا هو جوهر "القضم".

الأخطر أن تستمر الحرب أو أن تنتهي، فيكتشف لبنان والثنائي الشيعي أن خريطة الجنوب لم تعد كما كانت، وأن إسرائيل حوّلت ما فرضته ميدانيًا إلى واقع يصعب تغييره على طاولة المفاوضات أو في الميدان.

آخر الأخبار