الشيعة والجنوب المدمّر: هل حان وقت المبادرة السياسية؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-بين التوازنات العسكرية وغياب المبادرة السياسية: من يرسم مخرج الجنوب اللبناني؟
يعيش الجنوب اللبناني واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، في ظل استمرار التداعيات الإنسانية والاقتصادية والعمرانية للحرب الأخيرة. وبينما تتواصل النقاشات حول وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب، يبرز سؤال أساسي يتعلق بمصير المنطقة وسكانها: هل يكفي الرهان على المعادلات العسكرية، أم أن الحاجة أصبحت ملحة إلى مبادرة سياسية تفتح الباب أمام معالجة مستدامة للأزمة؟
على المستوى العسكري، تبدو الصورة معقدة. فإسرائيل تمتلك تفوقاً واضحاً في القدرات الجوية والتكنولوجية والاستخباراتية، وهو ما انعكس خلال المواجهات الأخيرة في حجم الضربات التي استهدفت البنية العسكرية ومناطق واسعة من الجنوب اللبناني. في المقابل، لا يزال حزب الله يحتفظ بعناصر قوة تجعل من الصعب تجاهله كفاعل عسكري رئيسي على الحدود، سواء من خلال ترسانته الصاروخية ومسيراته أو خبرته التنظيمية والعسكرية التي راكمها خلال العقود الماضية.
لكن التجارب المتكررة منذ عام 2006 أظهرت أن التوازن العسكري القائم، على الرغم من قدرته على منع انهيار كامل لأي من الطرفين، لم ينجح في إنتاج استقرار دائم. فإسرائيل لم تتمكن من إزالة التهديد الذي تعتبره قائماً على حدودها الشمالية، كما أن حزب الله لم ينجح في منع الدمار الواسع الذي يلحق بالبيئة اللبنانية عند كل جولة من المواجهة. وهكذا تبدو المعادلة أقرب إلى "توازن استنزاف" منها إلى "توازن ردع" قادر على حماية المدنيين وضمان الأمن والاستقرار.
في قلب هذه المعادلة يقف الجنوب اللبناني وسكانه. فالقرى التي تعرضت للدمار، والعائلات التي عاشت تجربة النزوح أو التهجير، والبنية الاقتصادية التي تلقت ضربات متلاحقة، جميعها تدفع أثماناً تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. ومع مرور الوقت، تتزايد المخاوف من أن يتحول الدمار إلى واقع دائم، وأن يصبح تأخير إعادة الإعمار وعودة السكان جزءاً من أزمة طويلة الأمد.
ومن هنا تبرز مسألة القرار السياسي داخل البيئة الشيعية اللبنانية. فمنذ سنوات طويلة، ارتبطت المقاربة السائدة للقضية الجنوبية بمنطق الصراع العسكري ومقتضيات المواجهة الإقليمية. إلا أن حجم الخسائر التي تكبدها الجنوب خلال المرحلة الأخيرة أعاد طرح أسئلة حول مدى حضور النقاش السياسي الداخلي بشأن مستقبل المنطقة وكيفية حماية أهلها ومصالحهم.
ولا يتعلق الأمر بالتخلي عن الخيارات السياسية أو الاستراتيجية التي تتبناها القوى الشيعية، بقدر ما يتعلق بضرورة فتح نقاش أوسع حول السبل الكفيلة بإخراج الجنوب من دائرة الحرب الدائمة. فالمجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة من التهجير والخسائر البشرية والمادية تحتاج إلى رؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو البحث عن حلول مستدامة تسمح بعودة الحياة الطبيعية وإطلاق عملية تنموية وإعمارية حقيقية.
ويلاحظ عدد من المتابعين أن الساحة الشيعية اللبنانية، رغم حيوية مؤسساتها السياسية والاجتماعية، لم تشهد حتى الآن نقاشاً علنياً واسعاً حول الخيارات المتاحة للخروج من الواقع الحالي. فالتركيز بقي منصباً إلى حد كبير على الجوانب العسكرية والأمنية، فيما بقيت الأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب وإعادة بنائه وتأمين عودة سكانه إلى قراهم أقل حضوراً في الخطاب العام.
في المقابل، يرى مؤيدو حزب الله أن أي نقاش حول مستقبل الجنوب لا يمكن فصله عن استمرار التهديدات الإسرائيلية، وأن معالجة الأضرار وإعادة الاستقرار تبقى مرتبطة أولاً بتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية. كما يعتبرون أن الضغوط السياسية المفروضة على الحزب والبيئة الحاضنة له تجعل هامش الخيارات المتاحة محدوداً في المرحلة الحالية.
وبغض النظر عن تباين المواقف، فإن واقع الجنوب يفرض نفسه كأولوية وطنية وإنسانية. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تثبيت الهدوء الأمني، بل يتعداه إلى صياغة رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية تعيد الأمل إلى منطقة كانت تاريخياً من أكثر المناطق اللبنانية تعرضاً لتداعيات الصراعات الإقليمية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة المستقبل، كما أن غياب المبادرات السياسية يترك المجتمعات أسيرة انتظار طويل ومكلف. وبين التفوق العسكري الإسرائيلي وقدرات حزب الله الردعية، يبقى السؤال الأهم: من سيبادر إلى رسم طريق يخرج الجنوب اللبناني من منطق الجبهة المفتوحة إلى منطق الاستقرار والتنمية والحياة الطبيعية؟ هذا السؤال قد يكون اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.