العجز المزدوج: دولةٌ تفاوض بلا أوراق وحزبٌ يقاتل بلا أفق
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- اختارت الدولة اللبنانية التفاوض، ليس لأنها ترى في إسرائيل شريكًا طبيعيًا، ولا لأنها أسقطت من حساباتها الاحتلال والاعتداءات، بل لأن رئيس الجمهورية جوزاف عون بات يرى أن التفاوض، بكل ما فيه من صعوبة ومخاطر، يبقى أقل كلفة من ترك لبنان أمام دورة جديدة من التدمير الإسرائيلي. وقد أعلن بوضوح أن لبنان اختار طريق التفاوض لتجنب "الأهوال والمآسي" التي تنتجها الحرب.
لكن المشكلة أن الدولة تدخل التفاوض وهي لا تملك كامل عناصر القوة التي تجعل من التفاوض وسيلة ضغط، لا مجرد وسيلة رجاء.
وفي المقابل، لا يزال حزب الله يتمسك بمعادلة مختلفة، السلاح، والميدان، والقدرة على الرد، والرهان على الزمن، وعلى أن إسرائيل لا تستطيع البقاء إلى الأبد في الجنوب، وعلى أن البيئة الإقليمية قد تتغير مجددًا لمصلحته.
لكن المشكلة هنا أيضًا أن الميدان الذي كان يُفترض أن يصنع التوازن لم يعد يعمل بالمعادلات القديمة نفسها.
وهكذا يجد لبنان نفسه بين دولة تفاوض ولا تستطيع أن تضمن نتيجة التفاوض، وحزب يقاتل ولا يستطيع أن يضمن نتيجة القتال.
لم يكن اختيار الدولة للتفاوض عبثيًا.
فلبنان الخارج من حرب مدمرة لا يملك ترف الدخول في حرب جديدة لا يعرف كيف تنتهي. والاقتصاد المنهك، والجنوب المدمّر، والجيش الذي يحاول توسيع حضوره، والحاجة إلى المساعدات وإعادة الإعمار، كلها تجعل كلفة الحرب أكبر بكثير من قدرة الدولة اللبنانية على تحملها.
من هنا يصبح التفاوض خيارًا عقلانيًا من زاوية الدولة.
لكن العقلانية لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة.فإسرائيل لا تزال تملك التفوق الجوي والعسكري، وتواصل عملياتها في الجنوب حتى في ظل المسار التفاوضي. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة ضربات إسرائيلية دامية، فيما بقيت مناطق من الجنوب تحت الاحتلال أو تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وفي هذه المعادلة، تصبح الدولة اللبنانية أمام مفارقة قاسية، هي تفاوض كي توقف الحرب، لكن استمرار الحرب هو الذي يضعف قدرتها على التفاوض.
على الضفة الأخرى، يبدو حزب الله وكأنه يتمسك بالمعادلة التي عرفها طوال عقود وهي السلاح هو الضمانة، والميدان هو مصدر القوة، والمقاومة هي التي تمنع إسرائيل من فرض شروطها.
لكن هذه المعادلة تواجه اليوم اختبارًا مختلفًا.
فإسرائيل لم تعد تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة اشتباك محدودة. وهي تستخدم تفوقها العسكري لضرب البنية العسكرية للحزب ومراكزه، بينما تتداخل عملياتها مع ضغط سياسي أميركي على الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وفي 20 آب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على حزب الله، مع التشديد على صلاته بالحرس الثوري الإيراني، في إشارة إلى أن واشنطن لا تتعامل مع الحزب باعتباره ملفًا لبنانيًا منفصلًا عن الاستراتيجية الإيرانية.
وهنا تظهر المعضلة الثانية.
السلاح الذي كان يفترض أن يمنح حزب الله استقلالية القرار قد يتحول، في البيئة الإقليمية الجديدة، إلى سبب إضافي لربط لبنان بالصراع الإيراني ـ الأميركي.
وهذه نقطة جوهرية.
فالمعادلة التي تقول إن "المقاومة تحمي لبنان" تصطدم بمعادلة أخرى تقول إن استمرار السلاح خارج الدولة يعطي إسرائيل والولايات المتحدة ذريعة إضافية للتعامل مع لبنان باعتباره جزءًا من منظومة إقليمية أوسع.
ربما تكون المشكلة الأكبر في الرهان على الميدان هي أن الميدان نفسه لم يعد منفصلًا عن التحولات الإيرانية.
لقد كان يمكن في مراحل سابقة أن يُفترض أن طهران قادرة على استخدام أوراقها الإقليمية لتعديل ميزان القوة، وأن الوقت يعمل لمصلحة "محور المقاومة"لكن الزمن الإقليمي تغيّر.ومفاوضات إسلام آباد نفسها تقدم نموذجًا صارخًا لهذا التحول.
فالمسار الذي بدأ في نيسان كمحاولة أميركية ـ إيرانية للتوصل إلى وقف للحرب، ثم تطور إلى مذكرة تفاهم في حزيران بوساطة باكستانية ـ قطرية، لم يتحول إلى تسوية مستقرة.
فهل يستطيع حزب الله أن يبني استراتيجية لبنانية طويلة المدى على مسار إيراني لم يحسم نفسه بعد؟
فإذا كانت إيران نفسها تفاوض، وتناور، وتقبل بوساطات، وتبحث عن مخارج من العقوبات والضغط العسكري والاقتصادي، فكيف يمكن للبنان أن يبقى أسير لحظة تقول إن الحل لا يأتي إلا من الميدان؟
المفارقة أن إيران قد تحتاج إلى التفاوض لإنقاذ مصالحها، بينما يُطلب من لبنان أن يتحمل كلفة استمرار الميدان باسم هذه المصالح.
والسؤال هل السلاح أفضل من التفاوض؟ السؤال الأصعب هو ماذا يفعل لبنان إذا كان التفاوض وحده لا يكفي، والسلاح وحده لم يعد يكفي؟
هنا تبدأ السياسة الحقيقية التي تستند الى الحكمة والواقعية في تحديد المصلحة الوطنية، والاعتراف بأنّ المعادلة القديمة سقطت.
في النهاية، ليس لبنان أمام خيار بين التفاوض والمقاومة فقط، بل أمام ضرورة الخروج من عجز الاثنين.