Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

المشروع الأميركي الجديد للبنان:الدولة تنجز وحزب الله يتراجع

لم يعد المشروع الأميركي الجديد تجاه لبنان مجرد حزمة عقوبات أو مساعدات للقوات المسلحة اللبنانية، بل يبدو محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله وواشنطن.
الكونغرس الاميركي
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


ليبانون تابلويد – واشنطن – لم يعد الدعم الأميركي للبنان، في أحدث مقترح تشريعي في واشنطن، مجرد سياسة مساعدة مفتوحة للدولة اللبنانية، بل بدأ يأخذ شكلاً مختلف يقوم على معادلة واضحة: "أنجزوا أولاً... ونحن نساعدكم لاحقاً".
هذه هي الدلالة السياسية الأبرز في مشروع "قانون العقوبات والاستقرار والدعم للبنان" الذي قدّمه السيناتوران الأميركيان جيمس لانكفورد وجين شاهين، والذي يربط المساعدات الأمنية والاستقرار والدعم المالي بإحراز الدولة اللبنانية تقدماً ملموساً في بسط سلطتها، ونزع سلاح حزب الله، وإصلاح القطاع المصرفي، وتوسيع الخدمات التي تقدمها الدولة للمجتمعات اللبنانية.
لكن اللافت في المشروع ليس حجم المساعدات المقترحة بقدر ما هو ربطها مباشرة بمستوى الإنجاز اللبناني في مواجهة حزب الله واستعادة الدولة لاحتكار القوة.
فالمشروع يقترح تخصيص 200 مليون دولار سنوياً للمساعدات الأمنية للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، مع إمكانية رفعها إلى 300 مليون دولار إذا تحقق تقدم كافٍ في مواجهة حزب الله، إضافة إلى تمويل عسكري ودعم للجهود الرامية إلى اعتراض الأسلحة والكبتاغون وغيرها من السلع غير المشروعة التي تموّل الحزب.
بذلك تصبح المساعدة الأميركية أداة تحفيز وضغط في آن واحد، وليست مجرد التزام مالي ثابت.
صحيح أن المشروع يتحدث عن إصلاح الدولة والقطاع المصرفي والخدمات العامة، لكن حزب الله يبقى في صلب فلسفته. فالمطلوب أميركياً ليس فقط نزع سلاح الحزب، بل إضعاف البيئة التي تسمح له بالاستمرار كقوة موازية للدولة.
ولهذا يربط المشروع بين نزع السلاح وبين دعم المجتمعات اللبنانية التي كانت تعتمد على حزب الله، من خلال إنشاء صندوق حوافز لتمويل البنية التحتية والخدمات المدنية التي تديرها الدولة، بدلاً من الحزب.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في المشروع: واشنطن لا تريد أن تستعيد الدولة اللبنانية الأرض والسلاح فقط، بل الوظائف التي مكّنت حزب الله من بناء نفوذ اجتماعي وسياسي وأمني واسع.
فحين تقدم الدولة الكهرباء أو الإعمار أو الخدمات أو الأمن، تتراجع الحاجة إلى شبكة الخدمات الموازية التي يوفرها الحزب. وحين تصبح القوات المسلحة اللبنانية المرجعية الأمنية الوحيدة، يتراجع دور القوة المسلحة التي يحتفظ بها خارج مؤسسات الدولة.
بمعنى آخر، فإن واشنطن تتعامل مع نفوذ حزب الله باعتباره منظومة متكاملة: سلاح، وتمويل، وخدمات، ومؤسسات موازية، وارتباط خارجي بإيران.
ولهذا لا يكتفي المشروع بملاحقة ممولي الحزب، بل يستهدف أيضاً البيئة المالية والاجتماعية التي تسمح له بإعادة إنتاج نفوذه.
تطال العقوبات المقترحة الأشخاص الأجانب الذين يدعمون تمويل إيران لحزب الله أو يعرقلون جهود لبنان لنزع سلاح الحزب وإصلاح قطاعه المالي، مع إجراءات تشمل تجميد الممتلكات وحظر المعاملات المالية وعدم الأهلية للحصول على تأشيرات، مع استثناءات للمساعدات الإنسانية.
وهذا يعني أن واشنطن تريد الانتقال من سياسة معاقبة الحزب بعد تمويله إلى محاولة تجفيف القنوات التي تمكنه من إعادة بناء قدرته المالية والعسكرية.
وفي الوقت نفسه، فإن تعزيز القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي ليس هدفه تقديم مساعدات عسكرية تقليدية فحسب، بل بناء قدرة الدولة على القيام بالوظائف التي كانت تشغلها قوى غير رسمية.
ومن هنا تصبح عبارة "احتكار الدولة للقوة" أكثر من شعار سياسي؛ إنها المعيار الذي يقيس المشروع على أساسه نجاح لبنان.
ولا يأتي مشروع القانون في فراغ. فهو يستند صراحة إلى الفرصة التي أتاحتها المفاوضات المباشرة والإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل.
فالإطار الذي أُنجز في حزيران وضع مساراً يقوم على استعادة الدولة اللبنانية سلطتها السيادية، وعلى تولي القوات المسلحة اللبنانية المسؤولية الأمنية الكاملة في "المناطق التجريبية"، بالتزامن مع التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية.
كما أن الولايات المتحدة ملتزمة، في هذا المسار، بالعمل مع الطرفين ودعم العملية والتحقق من تنفيذها.
ومن هنا يمكن فهم مشروع القانون بوصفه الذراع التشريعية والمالية لمسار بدأ سياسياً وأمنياً مع الإطار الثلاثي.
المعادلة باتت أكثر وضوحاً: لبنان مطالب بإظهار إنجازات قابلة للقياس، وواشنطن مستعدة لتقديم دعم يتناسب مع حجم هذه الإنجازات.
وهذه تحديداً هي النقطة التي تلخص جوهر المشروع: الدولة اللبنانية تقدّم إنجازات، والولايات المتحدة تساعدها.
لذلك تكتسب "المناطق التجريبية" في الجنوب أهمية تتجاوز كونها ترتيبات أمنية محدودة. إنها عملياً اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة الأرض والقرار الأمني من منظومة حزب الله.فإذا نجحت القوات المسلحة اللبنانية في تثبيت سلطتها، ومنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب، وتأمين عودة السكان، وتولي الخدمات الأساسية، يصبح بالإمكان توسيع النموذج.
أما إذا تعثر المسار، فستجد واشنطن نفسها أمام السؤال الأصعب: هل المشكلة في قدرة الدولة اللبنانية أم في استمرار قدرة حزب الله على تعطيلها؟
وهنا يمكن أن يصبح نجاح أو فشل المناطق التجريبية عاملاً مؤثراً في حجم المساعدات الأميركية المقبلة.
يكشف المشروع  أيضاً أن المقاربة الأميركية لم تعد تقوم فقط على دعم الجيش اللبناني كي يكون أقوى عسكرياً، بل على إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وحزب الله.
فالدولة التي تمتلك الجيش، لكنها لا تمتلك القرار الأمني، وتملك المؤسسات، لكنها لا تملك الخدمات، وتملك المصارف، فيما توجد شبكات مالية موازية، لا تحقق، وفق المنظور الأميركي الجديد، السيادة الكاملة.
ولهذا فإن الهدف النهائي للمشروع يبدو أوسع من عبارة "نزع سلاح حزب الله".إنه إنهاء نموذج الدولة الموازية الذي نشأ حول الحزب، وإعادة دمج المناطق والمجتمعات التي اعتمدت عليه في الدولة اللبنانية.
وهنا تحديداً تكمن حساسية المشروع بالنسبة إلى حزب الله، فواشنطن لا تستهدف قدرته العسكرية فقط، بل تريد تقليص قدرته على أن يكون دولة داخل الدولة.
لا يزال المشروع، في هذه المرحلة، مشروع قانون يحتاج إلى استكمال مساره داخل الكونغرس، ولذلك لا يمكن اعتباره التزاماً أميركياً نهائياً.
لكن أهميته السياسية تكمن في أنه يكشف بوضوح الاتجاه الذي تدفع نحوه شخصيات مؤثرة في واشنطن في دعم الدولة اللبنانية مقابل أدائها، وليس دعماً منفصلاً عن أدائها.
وإذا ما اقترن هذا التوجه التشريعي بالإطار الثلاثي، فإن لبنان يكون أمام مرحلة مختلفة في علاقته بالولايات المتحدة.
لم تعد الرسالة الأميركية فقط: "نحن ندعم الدولة اللبنانية"، بل أصبحت أقرب إلى "أثبتوا أن الدولة قادرة على بسط سلطتها، ونزع سلاح حزب الله، واحتواء مجتمعاته داخل مؤسساتها، ونحن مستعدون لزيادة الدعم".
وهذه ليست مجرد آلية للمساعدات، بل إعادة تعريف للعلاقة بين واشنطن وبيروت.
فالاختبار المقبل لن يكون فقط في مقدار ما ستقدمه الولايات المتحدة للبنان، بل في مقدار ما تستطيع الدولة اللبنانية أن تنجزه في مواجهة حزب الله، وفي تحويل المناطق التي كانت خاضعة لنفوذه إلى مناطق خاضعة فعلياً لسلطة الدولة.
وفي هذه المعادلة، يبدو أن واشنطن وضعت القاعدة الجديدة بوضوح:
لبنان ينزع سلاح حزب الله... وأميركا تساعده على بناء الدولة.
لبنان يستعيد وظائف الدولة... وأميركا تموّل استعادتها.
أما إذا بقي حزب الله دولةً داخل الدولة، فسيبقى الدعم الأميركي مشروطاً بالإنجاز.

 

آخر الأخبار