"المنبوذ الاقتصادي" وشيباني: هل يضيق هامش لبنان؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي ــ صعّدت واشنطن حربها الاقتصادية على طهران وشبكاتها، فيما اختارت بيروت تسوية قانونية مع سفيرها السابق. وبين المسارين، يواجه لبنان معادلة دقيقة في الحفاظ على علاقته بإيران من دون تحمّل كلفة الارتباط بشبكاتها المالية.
لم يكن توقيت تسوية وضع السفير الإيراني السابق في بيروت محمد رضا شيباني عاديًا. ففي الوقت الذي كانت فيه بيروت تبحث عن مخرج قانوني لأزمة دبلوماسية مع طهران، كانت واشنطن تنتقل إلى مستوى جديد في المواجهة الاقتصادية، معلنةً "عملية المنبوذ الاقتصادي" لعزل الاقتصاد الإيراني وتجفيف مصادر تمويله وشبكاته الخارجية.
فالخزانة الأميركية لا تستهدف إيران وحدها، بل توسّع دائرة العقوبات لتطال الجهات التي تساعدها على الوصول إلى الأسواق العالمية، وقد استهدفت نحو 60 كيانًا وفردًا وسفينة، ووسّعت مخاطر العقوبات الثانوية لتشمل قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.
وهنا تبدأ المسألة اللبنانية. فواشنطن تنتقل تدريجيًا من معاقبة إيران إلى محاصرة شبكاتها العابرة للحدود، ما يضع لبنان أمام مخاطر لا تستهدف الدولة بالضرورة، وإنما قد تطاول مؤسسات وشركات وأفرادًا يتعاملون مع جهات مرتبطة بإيران أو بـحزب الله. وقد فرضت وزارة الخزانة في 20 آب عقوبات على عشرة أشخاص اتهمتهم بتسهيل شبكة لتهريب مئات ملايين الدولارات نقدًا لمصلحة الحزب عبر إيران وتركيا والإمارات ولبنان.
لذلك، فإن الخطر على لبنان لا يكمن فقط في احتمال فرض عقوبات عليه، بل في أن تتحول المساحة الفاصلة بين الاقتصاد اللبناني والشبكات المالية المرتبطة بإيران إلى منطقة اشتباه أميركية.
في هذا السياق، تكتسب تسوية قضية شيباني دلالة تتجاوز شخصه. فقد مُنح السفير الإيراني السابق إقامة لمدة ستة أشهر، من دون أي صفة دبلوماسية، بعد انتهاء تأشيرته وسحب الموافقة على اعتماده. وبذلك فصلت بيروت قانونيًا بين أمرين،رفض الصفة الدبلوماسية، وعدم الذهاب في الوقت نفسه إلى قطيعة كاملة مع طهران.
وقد يكون هذا الفصل ممكنًا في المجال الدبلوماسي، لكنه أكثر تعقيدًا في المجال المالي. فلبنان يحتاج إلى إبقاء هامش من العلاقات مع إيران، لكنه يحتاج في المقابل إلى حماية نظامه المصرفي والاقتصادي من الوقوع في دائرة العقوبات الثانوية الأميركية.
وهنا يقع حزب الله في قلب المعادلة. فكل تشديد على تحويل الأموال أو شركات الشحن والصرافة والشبكات الوسيطة المرتبطة بإيران يمكن أن ينعكس على البيئة المالية التي يتحرك فيها الحزب، حتى من دون استهداف لبنان كدولة.
لذلك، لا تعني تسوية شيباني تسوية لبنانية مع إيران، كما أن "عملية المنبوذ الاقتصادي" لا تعني أن واشنطن قررت معاقبة لبنان، لكن الحدثين يكشفان مسارين متوازيين ،فبيروت تحاول إدارة علاقتها بطهران بأقل قدر من الصدام، فيما تضيق واشنطن المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها هذه العلاقة.
وبين المسارين، يضيق هامش المناورة اللبنانية. فالمطلوب من الدولة أن تثبت أن علاقتها بإيران شيء، وخضوع مؤسساتها المالية والاقتصادية لشبكاتها شيء آخر.
وقد تكون قضية شيباني مجرد تفصيل في مشهد أكبر يتمثل في أنّ إيران تواجه عزلة اقتصادية متصاعدة، ويواجه حزب الله تضييقًا على شبكات تمويله، فيما لبنان يحاول أن يحافظ على علاقاته من دون أن يدفع ثمنها من استقرار دولته واقتصاده.
وفي المرحلة المقبلة، قد لا يكون السؤال الأصعب هو من يحمل صفة السفير، بل من يحمل كلفة العلاقة مع إيران عندما تصبح كل قناة مالية محتملة جزءًا من الحرب الاقتصادية الأميركية؟