اليونيفيل بين إسرائيل وحزب الله: حين يلتقي الخصمان في رفض الوسيط
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- في جنوب لبنان مفارقة تستحق التوقف عندها: إسرائيل و«حزب الله» يختلفان على كل شيء تقريباً، لكنهما يلتقيان، في لحظة التصعيد الراهنة، عند نقطة واحدة على الأقل: النظرة السلبية إلى دور اليونيفيل وحدود مهمتها.
ليس المقصود هنا أن الطرفين متفقان على اليونيفيل أو على مستقبلها، بل إن كلاً منهما يبدو راغباً في تجاوز الدور الذي يفترض أن تؤديه القوة الدولية كإطار لضبط الميدان ومنع تحويل الوقائع العسكرية إلى قواعد سياسية وأمنية جديدة.
بالنسبة إلى إسرائيل، المشكلة أن اليونيفيل لا تمنحها ما تريده من حرية الحركة في الجنوب. وبالنسبة إلى "حزب الله"، المشكلة معاكسة، أيّ توسيع للدور الدولي في الجنوب يعني، في نظره، تضييقاً على هامش الحركة وعلى مفهومه للمقاومة. وبين الرؤيتين تقف اليونيفيل، التي تجد نفسها أمام واقع ميداني يتجاوز أحياناً المهمة التي أنشئت من أجلها.
والأخطر أن هذا الخلاف لم يعد نظرياً.
فالتصعيد الأخير حول تلال علي الطاهر يضع هذه المنطقة في قلب المعادلة الجديدة. فالتلال الواقعة شمال الليطاني تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب إشرافها على النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني ومحاور الحركة في المنطقة. ولهذا لا تبدو المعركة عليها مجرد معركة على قطعة أرض، بل صراعاً على من يملك القدرة على مراقبة الجنوب والتحكم بمساراته العسكرية.
إسرائيل تريد، على ما يبدو، تحويل السيطرة على علي الطاهر إلى أمر واقع أمني. وتشير التقارير إلى محاولة إسرائيل ربط قواعد الاشتباك الجديدة بالسيطرة على هذه المرتفعات، بما يعني أن المسألة تتجاوز عملية عسكرية محدودة إلى محاولة إعادة رسم البيئة الأمنية في منطقة جنوب الليطاني.
أما "حزب الله"، فالمشكلة بالنسبة إليه ليست في خسارة موقع فحسب، وإنما في تثبيت قاعدة جديدة، وهي أن إسرائيل تستطيع أن تحتفظ بمواقع استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، ثم تجعل من هذه السيطرة نقطة انطلاق لقواعد اشتباك جديدة.
وهنا تحديداً تظهر أهمية اليونيفيل.
فالهدف الأصلي من وجود القوة الدولية ليس أن تكون طرفاً في الحرب، ولا أن تحل محل الجيش اللبناني، بل أن تكون جزءاً من منظومة تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وتراقب تنفيذ الترتيبات الأمنية في منطقة عملياتها. لكن عندما تصبح الوقائع العسكرية أقوى من آليات المراقبة الدولية، تتحول اليونيفيل تدريجياً إلى شاهد على الصراع أكثر منها أداة لمنعه.
وهذه ليست مشكلة جديدة. فقد تعرضت دوريات اليونيفيل في مراحل سابقة لاعتراضات "الأهالي" في الجنوب، كما تعرضت دوريات أخرى لنيران من الجانب الإسرائيلي، ما يعكس صعوبة ممارسة القوة الدولية لمهمتها بين طرفين لا يريد أي منهما أن تتحول هذه المهمة إلى قيد كامل على حركته.
لكن التطور الأخطر اليوم هو أن المعادلة تنتقل من رفض اليونيفيل إلى محاولة تجاوزها ميدانياً.
فإذا تمكنت إسرائيل من فرض وجود عسكري دائم أو شبه دائم في علي الطاهر، وأصبح هذا الوجود جزءاً من قواعد الاشتباك الجديدة، فإن ذلك يعني عملياً أن الواقع العسكري بدأ يصنع لنفسه مرجعية تتقدم على المرجعية الدولية.
وفي المقابل، إذا رفض حزب الله هذا الواقع من خلال التمسك بحق الرد أو إبقاء المنطقة ضمن دائرة نفوذه العسكري، فإن الجنوب سيبقى عالقاً بين منطقين: منطق إسرائيل الذي يريد فرض الأمن بالقوة، ومنطق الحزب الذي يريد منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة بالقوة أيضاً.
وفي الحالتين، تصبح الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يدفع ثمن غياب المرجعية الواحدة.