Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

بين إسرائيل وحزب الله: نزوحٌ يعيد رسم الجنوب

ليست عودة النزوح من الجنوب مجرد نتيجة لجولة جديدة من التصعيد، بل مؤشر إلى وقائع جديدة على الأرض.
نزوح من الجنوب
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


المحرر السياسي- عودة إنذارات الإخلاء الإسرائيلية إلى الجنوب، وتجدد نزوح السكان من القرى الحدودية، لا يمكن قراءتهما باعتبارهما مجرد جولة جديدة من التصعيد. فالمسألة تبدو أعمق، فالجنوب يدخل مجدداً في دائرة الضغط بالنار والنزوح، فيما تبقى المواجهة الأميركية ـ الإيرانية من دون حسم، ويستمر التفاوض على مستقبل المنطقة الأمنية الجنوبية.
وهنا تكمن خطورة المشهد.
فلبنان لا يعيش حرباً شاملة، لكنه لا يعيش سلاماً أيضاً. هناك ستاتيكو يقوم على التصعيد المحدود، والضربات المتبادلة، والضغط الإسرائيلي، ومحاولات الوساطة الأميركية. وفي مثل هذا الستاتيكو، لا تتغير المعادلات دفعة واحدة، بل تتغير بالتدريج على الأرض.
والنزوح هو أحد أبرز مؤشرات هذا التغيير.
فعندما يعود الجنوبيون إلى قراهم ثم يجدون أنفسهم أمام إنذارات إخلاء جديدة، تصبح العودة نفسها غير مستقرة. ومع تكرار النزوح، تتحول المناطق الحدودية من مساحة سكنية طبيعية إلى منطقة معلّقة أمنياً، لا يعرف سكانها متى يستطيعون البقاء ومتى يضطرون إلى المغادرة.
وهذا تحديداً ما يجعل النزوح جزءاً من المعركة السياسية، وليس مجرد نتيجة لها.
إسرائيل تضغط عسكرياً لإبعاد حزب الله عن المناطق التي تعتبرها حساسة أمنياً، وحزب الله يرفض تثبيت وقائع تُفرض عليه بالنار. أما الولايات المتحدة فتحاول إدارة هذا التناقض ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة، في وقت تبقى فيه إيران عاملاً أساسياً في تحديد سقف المواجهة.
لذلك، فإن الجنوب اللبناني بات عملياً إحدى ساحات اختبار الستاتيكو الأميركي ـ الإيراني.
وما يجري في علي الطاهر يكتسب في هذا السياق دلالة خاصة. فالموقع ليس مجرد تلة استراتيجية، بل نموذج لما يمكن أن ينتجه الميدان قبل أن تصل السياسة إلى تسوية نهائية. فإذا تغيرت السيطرة على موقع استراتيجي، أو نشأ خط أمني جديد، فقد يصبح هذا الواقع لاحقاً جزءاً من شروط التفاوض.
وهنا تظهر أخطر فكرة في المرحلة الحالية، قد لا تحتاج إسرائيل إلى حرب شاملة لتغيير واقع الجنوب، يكفي أن تغيّره تدريجياً.قصف، إخلاء، نزوح، سيطرة على موقع، ثم تفاوض على خط جديد. هكذا يمكن أن تتغير الخريطة من دون إعلان رسمي عن تغييرها.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط، هل تنسحب إسرائيل من الجنوب؟ بل أصبح من أي خط ستنسحب، وما الذي سيكون قد تغيّر قبل الانسحاب؟
المشكلة أن لبنان قد يجد نفسه أمام تسوية تُبنى على وقائع لم يصنعها بنفسه.
فاستمرار سلاح حزب الله في الجنوب يمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة الضغط، واستمرار الضغط الإسرائيلي يعزز منطق المقاومة الإسلامية ، وبينهما تبقى الدولة اللبنانية أمام معادلة صعبة، تطالب بالسيادة على الجنوب، فيما لا تملك وحدها القدرة على تثبيت أمنه أو منع تحول سكانه إلى نازحين.
وهنا يصبح الخطر الحقيقي هو استمرار الستاتيكو، لا انفجاره بالضرورة.
فالحرب الشاملة تنتهي، والتسوية تبدأ. أما الحرب المحدودة المفتوحة على الاحتمالات، فتسمح بتغيير الوقائع ببطء.
لذلك، فإن عودة النزوح يجب أن تُقرأ كإنذار سياسي قبل أن تكون إنذاراً أمنياً. إنها تعني أن الجنوب لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار، وأن الخريطة التي ستجلس الأطراف للتفاوض عليها قد لا تكون هي الخريطة التي كانت قائمة قبل هذه الجولة من التصعيد.
وهذه هي معركة الجنوب الحقيقية اليوم، ليس فقط من يطلق النار، بل من ينجح في تغيير الوقائع قبل أن تتوقف النار. وإسرائيل تبدو، حتى الآن، الطرف الأكثر قدرة على فرض هذه الوقائع، فيما يتراجع حزب الله تكتيكياً، منتظراً ظروفاً ملائمة قد تأتي، وقد لا تأتي.
 

آخر الأخبار