بين "المغرب أولاً" و"مصر أولاً"... لبنان أضاع وطنيته
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه-قد يبدو غريباً أن تكشف كرة القدم ما تعجز عنه أحياناً السياسة، لكن مباريات كأس العالم أثبتت مجدداً أن المنتخبات ليست سوى مرآة للدول. فالمنتخب لا يصنعه المدرب وحده، بل تصنعه فلسفة الدولة، وإدارتها، وأولوياتها، واستثمارها في الإنسان، وإيمانها بأن المستقبل يبدأ من الداخل قبل أي ساحة أخرى.
وإذا كان المغرب قد كرّس حضوره العالمي للمرة الثانية خلال سنوات قليلة، فيما نجحت مصر في بلوغ أدوار متقدمة ومقارعة الأرجنتين بندية عالية، فإن الإنجاز لم يكن وليد الصدفة أو موهبة جيل استثنائي فقط، بل جاء نتيجة تراكم مؤسساتي، وإدارة احترافية، واستثمار طويل في الرياضة والبنية التحتية، ضمن رؤية تضع مصلحة الدولة الوطنية في المقام الأول.
لقد اختار البلدان، كلٌّ بطريقته، أن تكون الأولوية لبناء الداخل، وأن يبقى القرار السيادي منطلقاً من حسابات الدولة ومؤسساتها. وفي هذا السياق أيضاً، برزت خلال السنوات الأخيرة جهود للحد من تأثير تيارات الإسلام السياسي على القرار السيادي، بما يعزز مركزية الدولة ويمنحها هامشاً أوسع لرسم سياساتها وفق مصالحها الوطنية.
أما لبنان، فقد سار في الاتجاه المعاكس. فالدولة لم تعد المرجعية الوحيدة، بل أصبحت واحدة من مراكز متعددة للقرار، تتنازعها الانقسامات الطائفية والولاءات العابرة للحدود. ولم يعد اللبنانيون مختلفين على السياسات فحسب، بل على تعريف الدولة نفسها، وعلى هويتها، ووظيفتها، وأولوياتها.
ويبرز في هذا المشهد حزب الله، الذي لم يكتفِ بامتلاك مشروعه العسكري والسياسي داخل لبنان، بل نسج عبر العقود شبكة من التحالفات مع قوى الإسلام السياسي في المنطقة، من الجماعة الإسلامية في لبنان إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في إطار رؤية تتجاوز الحدود الوطنية لتصب في اطار الجمهورية الإسلامية الايرانية،فحزب الله، ينطلق من مرجعية دينية تقليدية تتعارض، في نظر منتقديه، مع مفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة المدنية... وبغض النظر عن المواقف من هذه الخيارات، فإن النتيجة العملية كانت نقل جزء أساسي من القرار اللبناني إلى فضاءات إقليمية، فيما تراجع دور الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا، لم يعد مستغرباً أن تغيب عن الخطاب السياسي اللبناني مفردات تتصدر أجندات الدول الحديثة: التنمية المستدامة، والاقتصاد المنتج، والابتكار، والحوكمة، والرفاه الاجتماعي، وجذب الاستثمارات، وجودة التعليم، والاقتصاد الرقمي. فهذه ليست مجرد شعارات، بل هي أولويات دول مستقرة تعتبر الإنسان محور السياسات العامة، بينما تنشغل الأحزاب العقائدية، بحكم طبيعتها، بصراعات الهوية والنفوذ وتوازنات الإقليم.
لهذا، فإن المقارنة بين لبنان من جهة، والمغرب ومصر من جهة أخرى، لا تبدأ من نتيجة مباراة في كأس العالم، بل من سؤال أعمق: أي دولة نريد؟ دولة تستثمر في الإنسان والمؤسسات والمستقبل، أم ساحة تتقاطع فوقها المشاريع الخارجية والانقسامات الطائفية؟
في الملاعب، كما في السياسة، لا تكافئ النتائج النوايا، بل تكافئ الدولة التي تعرف ماذا تريد، وتمنح مواطنيها أسباباً للنجاح. وليس المقصود بذلك أن المغرب ومصر بلغا مصاف الدول الأكثر تقدماً، فلكل منهما تحدياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنهما يبدوان اليوم وكأنهما يسعيان، كلٌّ بطريقته، إلى تثبيت منطق الدولة الوطنية وإعطاء الأولوية لبناء الداخل. وإذا كان الطريق إلى مصاف الدول الكبرى لا يزال طويلاً، فإن مجرد المنافسة على الملعب الأخضر تعكس إرادة في التقدم وصناعة الإنجاز. أما لبنان، فما زال يخوض مباراة أخرى، خارج الملاعب، تتنازعها الطوائف والمشاريع الإقليمية، فيما تغيب الدولة التي وحدها تستطيع أن تحول الانتصارات العابرة إلى نهضة مستدامة.
تبقى حقيقة لا يجوز إغفالها: فلبنان، رغم استفحال الطائفية وتصاعد التحجر الديني، لا يزال يقاوم ثقافياً وفنياً بفضل طاقات فردية استثنائية. غير أن هذه الحيوية لم تعد نتاج الدولة أو الطبقة السياسية، بل هي ما تبقى من الرأسمال الثقافي والفكري الذي راكمته الفكرة اللبنانية منذ ولادة دولة لبنان الكبير. وما لم يُستأنف هذا المشروع الوطني، فإن لبنان سيواصل استهلاك إرثه أكثر مما سيصنع مستقبله.