Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أقلامنا

من البطريرك صفير إلى فيلم "نازا": تجربتان للشيعة

بدأت تتصاعد اشارات عدة عن تزايد القلق الشيعي من مسار التطورات في الجنوب.
البطريرك صفير
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- بعد سقوط تلال علي الطاهر، والتهديد باجتياح إسرائيلي أوسع، وعجز السلاح عن تغيير المعادلات الميدانية، رغم ما يتردد عن استعدادات تعبئة لدى حزب الله، وارتطام التفاوض المباشر بالتعنت الإسرائيلي، وإعلان الرئيس نبيه بري أن الوضع "خطير" وأن الحلول "كلها بعيدة"، لا تبدو في الأفق، مع ذلك، أي مبادرة تتجاوز الإطار الذي لا يزال يجمع حركة أمل وحزب الله.
من هنا يصبح السؤال أكبر من السلاح والمفاوضات: هل ما زالت وحدة الموقف الشيعي مصدر قوة، أم أنها بدأت تتحول إلى عامل يحدّ من القدرة على إنتاج مخارج جديدة؟
نتوقف عند ظاهرتين: إسرائيلية ومارونية.
فإسرائيل، على رغم تفوقها العسكري، ليست كتلة سياسية ومجتمعية متماسكة حول الحرب ومستقبلها. تكشف الانتخابات الإسرائيلية انقسامات حول القيادة والحرب وكلفتها ونهايتها، فيما تأتي أصوات الاعتراض من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ومن أكثر التعبيرات دلالة على ذلك فيلم" NAZA"، الذي أعدته "ذا غارديان" وأخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، ويتناول، من خلال شهادات عسكريين وعاملين في الاستخبارات الإسرائيلية، ممارسات الجيش الإسرائيلي وتجاوزاته الانسانية في غزة. وقد حظي عرضه في مهرجان البندقية بتصفيق ووقوف استمر نحو 25 دقيقة. وتبقى أهمية الفيلم، بصرف النظر عن الجدل حول بعض شهاداته، في أن الاعتراض يأتي من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومن إسرائيليين يهود، وبعضهم من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
وهنا تكتمل المفارقة، فاسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً، لكنها لا تملك بالضرورة إجماعاً سياسياً وأخلاقياً حول الحرب، والبيئة الشيعية تمتلك تماسكاً سياسياً واضحاً، لكنها لم تنتج بعد تصوراً متكاملاً للخروج من الحرب.
وهذه المقارنة تقود إلى تجربة لبنانية سابقة تستحق التوقف عندها، لا للمقارنة الطائفية، بل لاستخلاص العبرة السياسية.
حين انفجر ما يمكن تسميته "العقل الماروني" في الصراع بين الجيش بقيادة العماد ميشال عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، ودخلت المنطقة الشرقية واحدة من أكثر مراحل الانقسام الداخلي قسوة وهدماً ذاتياً، اتخذ البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير موقفاً مختلفاً. فقد سعى إلى إعادة وصل الموارنة بالدولة اللبنانية، وقَبلَ بمنطق اتفاق الطائف، رغم أن هذا الاتفاق انتزع من رئاسة الجمهورية والطائفة المارونية جزءاً أساسياً من الامتيازات التي كانت تتمتع بها في النظام السابق.
لم يكن خيار البطريرك صفير سهلاً ولا موضع إجماع ماروني. تعرض للانتقاد والاتهام والشيطنة والاعتداء، وحُمّل مسؤولية التنازل عن صلاحيات وامتيازات تاريخية. لكنه اختار أن يضع استعادة الدولة ووحدة لبنان فوق الحفاظ على الامتيازات. ثم، عندما دخل لبنان مرحلة الوصاية السورية، لم يتحول إلى تابع للنظام الذي أتى به الطائف، بل أصبحت بكركي، بقيادته، إحدى أبرز منصات الاعتراض على اختلال تطبيق الطائف والتوازن الوطني، وكانت "عظة الأحد" أداته الأكثر بساطة وتأثيراً.
وبعيداً عن تقييم تلك المرحلة بكل تفاصيلها، يبقى فيها درس سياسي، تستطيع مرجعية جماعية، عندما تتوافر لها الجرأة، أن تعيد تعريف الأولويات. فالبطريرك صفير لم ينظر إلى التنازل عن بعض الامتيازات باعتباره نهاية للدور الماروني، بل مدخلاً إلى إعادة بناء العلاقة مع الدولة. والمفارقة أن الذين عارضوا الطائف وشيطنوا خياراته عادوا لاحقاً إلى الانخراط في النظام نفسه وتولي أعلى مواقعه.
لا يعني استحضار هذه التجربة أن على الشيعة تكرار التجربة المارونية، فالظروف مختلفة وموقع الطائفة الشيعية في الدولة مختلف وطبيعة الصراع الإقليمي مختلفة. لكن العبرة تكمن في مكان آخر، فالوحدة لا تعني دائماً التمسك بالموقف القائم، كما أن مراجعة خيار أو التراجع التكتيكي لا يعني بالضرورة الهزيمة أو التخلي عن الجماعة ومصالحها.
فقد تصل الجماعات السياسية إلى لحظة يصبح فيها الحفاظ على التماسك الداخلي أقل أهمية من إعادة ترتيب الأولويات. وفي مثل هذه اللحظات، قد تكون المبادرة الداخلية أهم من انتظار التحولات الإقليمية.
وهنا يلتقي الدرس الماروني بالمفارقة الإسرائيلية. إسرائيل تقدم مثالاً على أن التفوق العسكري لا يلغي السياسة ولا يمنع الأسئلة الداخلية حول جدوى الحرب وكلفتها ونهايتها. وتجربة البطريرك صفير تقدم، في المقابل، مثالاً على أن الجماعة تستطيع أن تعيد تعريف أولوياتها عندما يصبح استمرار الصراع تهديداً لمستقبلها الوجودي.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم، هل نحافظ على الوحدة الشيعية أم نترك لها أن تتغيّر؟ بل كيف تتحول هذه الوحدة من وحدة في الرفض إلى وحدة حول مشروع للخروج من المأزق أوالنكبة؟
لقد احتاج الموارنة، في لحظة من تاريخهم، إلى مبادرة تكسر بعض "التابوهات" وتعيد وصلهم بالدولة. وقد يحتاج لبنان اليوم إلى لحظة مشابهة، لا تستنسخ تجربة البطريرك صفير ولا تنقلها من طائفة إلى أخرى، بل تستفيد من منطقها، حين يصل الصراع إلى طريق مسدود، لا يكفي الحفاظ على وحدة الصف، المطلوب أن تنتج هذه الوحدة مخرجاً.

 

آخر الأخبار