Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أقلامنا

حماس وحزب الله... عندما يصبح السلاح سؤالًا

لا تختبر الحروب الكبرى قوة التنظيمات فقط، بل تختبر أيضًا قدرة الدول على استعادة احتكار القرار.
حزب الله وحماس
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- لم يعد السؤال الذي يطرح بعد حرب غزة متعلقًا فقط بحجم الدمار أو عدد الضحايا، أو بتوقيت حماس تسليم سلاحها، بل بدأ يتخذ بعدًا سياسيًا أعمق، هل كان يمكن تجنب جزء من هذه المأساة لو اختارت حركة حماس، في مرحلة سابقة، تسوية سياسية تتضمن التخلي عن سلاحها؟

لا يمكن للتاريخ أن يجيب عن فرضيات لم تقع، لكن مجرد طرح السؤال يعكس تحولًا في التفكير السياسي العربي بعد حرب غيرت الكثير من المسلمات.

قامت فلسفة حماس، كما قامت فلسفة حركات تحرر مسلحة كثيرة، على أن السلاح هو الضمانة الوحيدة لمنع الاحتلال واستعادة الحقوق. غير أن الحرب الأخيرة أظهرت واقعًا آخر وهو التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الدولي الذي حظيت به إسرائيل سمحا لها بتوسيع عملياتها، وفرض وقائع جديدة، فيما تعرض قطاع غزة لدمار هائل ونزوح واسع.

لا يعني ذلك أن التخلي عن السلاح كان سيمنع الحرب حتمًا، فإسرائيل أعلنت أهدافًا تتجاوز نزع سلاح حماس إلى إعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي في القطاع. لكن التجربة أعادت طرح سؤال أساسي، هل تأتي لحظة يصبح فيها الحفاظ على المجتمع والأرض أولوية تتقدم على الحفاظ على السلاح؟

وهذا السؤال لا يخص غزة وحدها، بل يصل مباشرة إلى لبنان.

منذ أكثر من أربعة عقود، قام مشروع حزب الله على معادلة أن السلاح هو الضمانة الوحيدة لردع إسرائيل وحماية لبنان. وقد اكتسبت هذه المعادلة شرعية لدى جزء كبير من اللبنانيين والعرب والمسلمين بعد سنوات المقاومة في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وحرب تموز 2006.

لكن المنطقة تغيّرت. تغيرت طبيعة الحروب، وتغيرت موازين القوى، ولم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل أصبح مرتبطًا بإعادة رسم ترتيبات أمنية وسياسية يكون فيها قرار الحرب والسلم جزءًا أساسيًا من مفهوم الدولة.

لذلك فإن النقاش اليوم ليس حول حق مقاومة الاحتلال، بل حول السؤال الأكثر واقعية، هل ما زالت الأداة المستخدمة تحقق الهدف الذي وُجدت من أجله؟

في الفكر الاستراتيجي، لا تُقاس قيمة السلاح بوجوده، بل بقدرته على حماية المجتمع وتحقيق الغاية السياسية. فإذا أصبحت كلفته أكبر من قدرته على الردع، فإن مراجعة الاستراتيجية تصبح ضرورة سياسية.

وهنا يظهر الدرس التاريخي الأوسع، فالدول التي استقرت انتهت جميعها إلى احتكار القوة المسلحة داخل مؤسساتها. فبعد الحروب الأهلية والانقسامات الكبرى في أوروبا، لم تستقر الأنظمة إلا عندما أصبحت الجيوش خاضعة لسلطة الدولة. وفي تجارب حركات التحرر، انتهى المسار غالبًا إلى الاندماج في الدولة، كما حدث مع الجيش الجمهوري الإيرلندي بعد اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، ومع الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري.

وفي المقابل، تكشف تجارب ليبيا واليمن والصومال والسودان أن تعدد القوى المسلحة ومراكز القرار يؤدي إلى إضعاف الدولة وإطالة الأزمات. وحتى الدول القوية ليست بمنأى عن هذا الخطر، كما أظهر تمرد مجموعة فاغنر في روسيا عام 2023.

المشكلة إذًا ليست في هوية الجماعة المسلحة أو دوافعها، بل في وجود أكثر من مرجعية تمتلك قرار القوة. فالدولة لا تستطيع أن تكون دولة جزئيًا، إما أن تكون المرجعية النهائية للسلاح، أو تتحول إلى سلطة تنازعها سلطات أخرى.

في لبنان، يكتسب هذا النقاش حساسية خاصة. فالشيعة لم يكونوا خارج الدولة اللبنانية. فمنذ قيام لبنان الكبير اعترف بهم كطائفة جعفرية مستقلة، واحتلوا الموقع الثاني في الدولة، ثم عزز اتفاق الطائف حضورهم السياسي بوصاية سورية ومظلة خارجية واسعة، وصولًا إلى بروز الثنائي الشيعي كأحد أكثر القوى تأثيرًا في القرار اللبناني خلال العقود الأخيرة.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية، فالقوة التي امتلكت السلاح والتمثيل الشعبي والحضور السياسي كان يمكن أن تجعل من بناء الدولة مشروعها الأساسي، بحيث يصبح السلاح جزءًا من قوة الدولة لا بديلًا عنها. إلا أن المعادلة بقيت قائمة على أولوية السلاح، فيما ظلت الدولة ضعيفة في إدارة قرار الحرب والسلم.

لقد نشأ حزب الله في ظروف تاريخية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي والخوف من غياب الحماية، كما نشأت حماس في سياق الاحتلال والصراع الفلسطيني. لكن التاريخ لا يحاكم المشاريع فقط من خلال لحظة نشأتها، بل من خلال قدرتها على الاستجابة لتغير الظروف.

فبعد ما شهدته غزة وجنوب لبنان، لم يعد السؤال، هل كان السلاح مبررًا في بداياته؟ بل أصبح، هل ما زال يؤدي الوظيفة التي أُنشئ من أجلها؟ وهل ما زالت كلفته مقبولة بالنسبة إلى المجتمعات التي يحمل رايتها؟

لقد دفعت البيئة الشيعية في لبنان، كما سائر اللبنانيين، أثمانًا بشرية واقتصادية واجتماعية كبيرة خلال العقود الماضية. ومن هنا فإن المراجعة لا تعني إنكار تاريخ المقاومة أو تضحياتها، بل تعني الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الدولة.

فالمقاومة قد تكون مرحلة في تاريخ الشعوب، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا دائمًا عن الدولة. والدولة وحدها قادرة على تحويل القوة من امتياز لفئة إلى حماية عامة لجميع المواطنين.

ولعل الدرس الأكبر من غزة وجنوب لبنان هو أن السلاح، عندما يعجز عن منع الكارثة، يتحول من أداة إلى سؤال. وعندما يصبح السلاح سؤالًا، يكون الجواب الذي يقدمه التاريخ غالبًا واحدًا، العودة إلى الدولة، لأنها وحدها تملك القدرة على حماية الأرض والناس وصناعة السلام.

آخر الأخبار