زيارة الأمير يزيد بن فرحان في توقيت المفاوضات: رسائل سياسية تتجاوز الاقتصاد
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-لم يكن قرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح أسواقها أمام الصادرات اللبنانية حدثاً اقتصادياً عادياً، كما لم تكن زيارة المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان إل بيروت مجرد محطة دبلوماسية روتينية. فالحدثان جاءا في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية يعيشها لبنان، حيث تتقاطع مساعي الإصلاح الداخلي مع المفاوضات الجارية حول مستقبل الجنوب وترتيبات وقف التصعيد مع إسرائيل.
من الناحية الاقتصادية، يشكل القرار السعودي بارقة أمل لقطاعات الإنتاج اللبنانية التي عانت طويلاً من الانهيار المالي ومن فقدان الأسواق التقليدية. فالسوق السعودية كانت تاريخياً من أبرز وجهات المنتجات اللبنانية الزراعية والصناعية، وإعادة فتحها تمثل دعماً مباشراً للاقتصاد الوطني ولآلاف العائلات التي تعتمد على هذه القطاعات.
ويكتسب وصول الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت أهمية خاصة لأن زيارته تتزامن مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالوضع في الجنوب اللبناني. فبعد الحرب المحتدمة وما خلفته من دمار واسع وخسائر بشرية واقتصادية، دخل لبنان في مرحلة البحث عن ترتيبات طويلة الأمد تضمن وقف الأعمال العسكرية وتمنع العودة إلى دوامة المواجهات.
صحيح أن السعودية ليست طرفاً مباشراً في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، إلا أنها معنية بنتائجها السياسية والاستراتيجية. فاستقرار لبنان يشكل جزءاً من استقرار المشرق العربي، وأي تسوية مستدامة في الجنوب لا يمكن أن تنجح من دون دولة لبنانية قوية قادرة على فرض سيادتها وإدارة شؤونها الأمنية والاقتصادية من خلال مؤسساتها الشرعية.
ومن هنا يمكن فهم ما أعلن عن أهداف زيارة المبعوث السعودي، والمتمثلة في دعم المؤسسات الشرعية اللبنانية وسيادة لبنان ووحدة أراضيه ورفاهية شعبه ومسار الإصلاح. فهذه العناوين ترتبط مباشرة بالتحديات التي يواجهها لبنان اليوم، سواء في الجنوب أو في الداخل. فالمفاوضات الجارية ليست مجرد نقاش حول ترتيبات أمنية، بل تتصل أيضاً بمستقبل القرار الوطني اللبناني وبقدرة الدولة على الإمساك بمفاصل السيادة.
وفي خلفية المشهد، تدرك الرياض أن لبنان يقف أمام مفترق طرق. فإما أن ينجح في استثمار المناخ الإقليمي والدولي الداعم لإعادة بناء مؤسساته واستعادة علاقاته العربية، وإما أن يبقى أسير الصراعات والمحاور التي استنزفته لعقود. لذلك يبدو الحضور السعودي الحالي أقرب إلى محاولة دعم خيار الدولة اللبنانية، لا الانخراط في نزاعات المنطقة.
لقد اختارت المملكة أن تعود إلى لبنان عبر بوابتين متلازمتين: الاقتصاد والدولة. فمن جهة، فتحت أسواقها أمام الصادرات اللبنانية، ومن جهة أخرى أكدت عبر مبعوثها السياسي دعمها للمؤسسات الشرعية والإصلاح والسيادة. وبين البوابتين تتشكل رسالة واضحة وهي أن العالم العربي مستعد لمساعدة لبنان، لكن نجاح هذه المساعدة يبقى رهناً بقدرة اللبنانيين على بناء دولة قادرة على حماية حدودها وإدارة شؤونها واستعادة ثقة مواطنيها وأشقائها العرب.
في هذا المعنى، لا يمكن فصل زيارة الأمير يزيد بن فرحان عن تطورات الجنوب، كما لا يمكن حصرها في بعدها الاقتصادي. إنها جزء من لحظة سياسية إقليمية تحاول فيها السعودية إعادة تثبيت حضورها في لبنان عبر دعم الاستقرار ومؤسسات الدولة، في وقت يبحث فيه اللبنانيون عن مخرج من أزماتهم المتراكمة وعن فرصة حقيقية للعودة إلى محيطهم العربي.