Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

سقوط علي الطاهر لم يُحسم والمعركة أبعد من التلّة(تقرير)

تتضارب المعلومات بشأن مصير تلال علي الطاهر في ظل معلومات اسرائيلية بشأنها.
تلال علي الطاهر
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم تعد تلال علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد موقع عسكري تتنافس إسرائيل وحزب الله على السيطرة عليه. فالمعركة التي تدور حول هذه السلسلة الجبلية تبدو اليوم أقرب إلى معركة تحدّد طبيعة الجنوب بعد حسم المعركة.
آخر المعطيات الآتية من الإعلام الإسرائيلي ترسم صورة مختلفة عما كانت عليه المعركة قبل أسابيع. فبحسب تقديرات أمنية إسرائيلية نقلتها صحيفة "معاريف"، يُعتقد أن معظم عناصر حزب الله الذين تحصنوا داخل شبكة الأنفاق في علي الطاهر قد قتلوا، فيما تمكن عدد محدود منهم من الفرار، ويرجح الجيش الإسرائيلي وجود ما بين 10 و15 جثة داخل الأنفاق. وتربط هذه التقديرات بين سقوطهم وبين القصف والاشتباكات ونقص الماء والغذاء نتيجة الحصار الطويل. 
هذه الرواية الإسرائيلية، إذا صحت، تعني أن إسرائيل لم تكن تخوض معركة تقليدية للسيطرة على تلّة فحسب، بل عملية استنزاف وحصار للبنية البشرية الموجودة تحت الأرض. وهي استراتيجية تبدو منسجمة مع ما نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية عن صعوبة اقتحام المنشأة، وعن وجود مقاتلين عالقين داخل شبكة الأنفاق، وعن محاولات لإدخال الماء والغذاء أو إخراج المحاصرين منها.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق أنه حقق سيطرة عملياتية على المنطقة، فيما نفى حزب الله في حينه سقوط التلة أو خروج مقاتليه منها، مؤكداً بقاء عناصره في الموقع. ومن هنا تبدو أهمية التطور الأخير، فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من يرفع علمه فوق التلة، بل حول مصير القوة الموجودة داخلها.
لكن ثمة تفصيل يستحق التوقف عنده. فحتى الرواية الإسرائيلية نفسها لا تتحدث عن نهاية كاملة للوجود المسلح في علي الطاهر. ففي 2 أيلول، أعلن الجيش الإسرائيلي أن حزب الله أطلق طائرتين محملتين بالمتفجرات باتجاه قواته العاملة في المنطقة، كما قالت مصادر إسرائيلية إن الجيش لا يزال يعتقد بوجود عناصر داخل المنشأة تحت الأرض. 
وهذا يعني أن الحديث عن "سقوط علي الطاهر" قد يكون سابقاً لأوانه. فالموقع لا يزال قادراً على إنتاج عمليات عسكرية، حتى لو كانت قدرات حزب الله فيه قد تراجعت بصورة كبيرة.
لماذا كل هذا الاهتمام بعلي الطاهر؟
الجواب في الجغرافيا قبل السياسة.
تقع التلال على مسافة تقارب 15 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية، وترتفع نحو 600 متر، بما يمنحها إشرافاً واسعاً على أجزاء كبيرة من جنوب شرق لبنان. والأهم أنها تقع في نقطة تربط المنطقة الحدودية بإقليم التفاح، الذي كان تاريخياً من أهم المجالات العملياتية واللوجستية لحزب الله. وتقول مصادر أمنية لبنانية لـ"رويترز" إن الحزب بنى تحتها مركز قيادة ومخازن أسلحة. 
لهذا السبب تحديداً، لا تبدو إسرائيل مستعدة للتعامل مع علي الطاهر كأي موقع جنوبي آخر. فالتلة تقع في قلب ما تعتبره إسرائيل منطقة أمنية جديدة، وتفصل عملياً بين الأراضي التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية والبلدات اللبنانية الواقعة شمالاً، ومنها النبطية.
والأكثر دلالة أن الجيش الإسرائيلي كان قد وصف علي الطاهر في حزيران بأنه إحدى "نقاط التركيز الرئيسية" لعملياته، وأدرج المنطقة ضمن خريطة لمنطقة عازلة موسعة.
بمعنى آخر، الجغرافيا العسكرية بدأت تتحول إلى جغرافيا سياسية.
هنا تكتسب التطورات الأخيرة بعداً يتجاوز الحساب العسكري.
فبحسب الإعلام الإسرائيلي، ناقشت القيادة الأمنية الإسرائيلية في الأيام الماضية مسألة الاستمرار في السيطرة على مرتفعات علي الطاهر أو تسليمها إلى الجيش اللبناني. 
وهذا التطور بالغ الدلالة.
إذا كانت إسرائيل قد نجحت في تفكيك الجزء الأكبر من القوة البشرية لحزب الله داخل المنشأة، فإن السؤال التالي يصبح، من يتولى الموقع بعد انتهاء المعركة؟ إسرائيل؟ الجيش اللبناني؟ أم يبقى الموقع ورقة تفاوضية إلى أن يتم التوصل إلى ترتيبات أوسع للجنوب؟
وهنا تلتقي معركة علي الطاهر مباشرة مع "اتفاق الإطار" الذي توسطت فيه الولايات المتحدة. فانسحاب إسرائيل من بعض المواقع، ومنها زوطر الغربية، ارتبط بخطة تقوم على انسحاب تدريجي في مقابل قيام الدولة اللبنانية بفرض سيطرتها ونزع سلاح حزب الله. لكن الخطة اصطدمت برفض الحزب التخلي عن سلاحه، وبالموقف الإسرائيلي القائل إن الانسحاب الكامل لن يتم قبل معالجة هذا السلاح.
وهكذا أصبحت علي الطاهر أكثر من موقع عسكري بل اختبار عملي لمن يملك الجنوب اللبناني بعد الحرب.
تزداد أهمية هذه المعادلة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
تقول رويترز إن السيطرة على علي الطاهر يمكن أن تمثل مكسباً سياسياً لحكومة بنيامين نتنياهو، خصوصاً أن الموقع يقع في منطقة لطالما اعتبرت معقلاً لحزب الله. ويرى أندريا تيننتي، المتحدث السابق باسم اليونيفيل، أن إسرائيل قد تكون بحاجة إلى "انتصار كبير" قبل الانتخابات. في المقابل، يرى محللون أن إسرائيل قد تفضّل الحصار البطيء على الاقتحام المباشر، تفادياً لخسائر بشرية كبيرة في صفوف قواتها.
وهذه النقطة تفسر ربما لماذا لم تتحول السيطرة الإسرائيلية المعلنة على الأرض إلى هجوم نهائي سريع على الأنفاق.
فإسرائيل أمام معادلة من ثلاثة أضلاع :السيطرة على التلة، تجنب خسائر الجيش، وتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي.والضلع الثالث قد يكون الأهم.لأن إسرائيل لا تريد فقط تدمير منشأة لحزب الله إنها تريد أن تقول إن زمن وجود بنية عسكرية للحزب على هذه المرتفعات قد انتهى.
أما حزب الله، فالمعضلة أكثر تعقيداً.
فقد كان قادراً خلال المرحلة الأولى من المعركة على تقديم علي الطاهر باعتبارها موقعاً صامداً في وجه محاولات التقدم الإسرائيلية، وأعلن مراراً أن مقاتليه ما زالوا في المنطقة. لكن استمرار الحصار، وفق الرواية الإسرائيلية، ثم سقوط عدد كبير من العناصر أو فرار بعضهم، يضع الحزب أمام اختبار مختلف، فهل يستطيع الاحتفاظ بالرمزية العسكرية للموقع بعدما تتآكل قدرته البشرية فيه، وبعدما خسر مواقع رمزية عدة من بنت جبيل الى الناقورة ...
لذلك قد تكون أهمية علي الطاهر اليوم في كونها تختصر المشهد اللبناني كله.
إسرائيل تملك التفوق الناري والميداني، لكنها لا تريد أن تتحمل كلفة احتلال دائم.
حزب الله يريد الحفاظ على حضوره، لكنه يواجه ضغطاً عسكرياً وسياسياً متزايداً.
والدولة اللبنانية تقف أمام السؤال الأصعب، هل تستطيع أن تحل محل الطرفين في إدارة هذه المنطقة؟
في هذه القراءة، تصبح معركة علي الطاهر نسخة مصغرة عن معركة الجنوب كله.
 

آخر الأخبار