علي الطاهر: الميدان يسبق طاولة التفاوض
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- في الجنوب اللبناني، ثمة مشهدان يسيران بالتوازي، لكنهما لا يتقدمان بالسرعة نفسها، مشهد تفاوضي يتمسك به لبنان والوساطة الأميركية، ومشهد ميداني تحاول إسرائيل من خلاله تثبيت وقائع جديدة على الأرض. وبين المشهدين تقف تلال علي الطاهر، التي تحولت من موقع جغرافي استراتيجي إلى اختبار حقيقي لموازين القوى التي تحكم المرحلة.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى استمرار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل يتحدث عن تقدم في هذا المسار وعن جولات جديدة يفترض أن تفتح الطريق أمام حلول تدريجية، تواصل إسرائيل ضغطها العسكري في الجنوب، وصولاً إلى علي الطاهر، حيث سبق للجيش الإسرائيلي أن أعلن في حزيران الماضي السيطرة الكاملة على التلال، بينما نفى حزب الله ذلك وأكد بقاء مقاتليه في المنطقة.
لا تكمن أهمية التطورات الأخيرة فقط في حقيقة السيطرة الميدانية أو حدودها، بل في الرسالة السياسية التي تحملها الحركة العسكرية الإسرائيلية. فعلي الطاهر ليست تلة عابرة في جغرافيا الجنوب. إنها مرتفع استراتيجي.لذلك فإن إعادة الضغط عليها اليوم تبدو أقرب إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية الجنوبية بما يتلاءم مع شروط إسرائيل في أي تسوية مقبلة.
وهنا تظهر المفارقة اللبنانية الكبرى.
واشنطن تقول إن التفاوض مستمر، وإسرائيل تقول إن الميدان لم يتوقف.
أما حزب الله، فيرفع في المقابل منسوب اعتراضه السياسي على المفاوضات. فقد أعلن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم رفضه التفاوض المباشر ورفض مضمون اتفاق الإطار، معتبراً أن الجولات السابقة لم تنتج نتائج، ومتمسكاً باتفاق 2024. (لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يعترض حزب الله على التفاوض؟السؤال الأهم هو: ما البديل؟
فالاعتراض السياسي، مهما ارتفع سقفه، لا يكفي وحده لتغيير المعادلة. وإذا كان الحزب يرفض المسار التفاوضي، فهل يمتلك مساراً آخر يستطيع من خلاله فرض انسحاب إسرائيلي؟ وهل يستطيع، في ظل المعطيات العسكرية الراهنة، أن يعيد إنتاج المعادلة التي حكمت الجنوب في مراحل سابقة؟
هنا تحديداً تكشف تلال علي الطاهر شيئاً لا تقوله البيانات السياسية بالوضوح نفسه: موازين القوى الميدانية ليست متعادلة.
فإسرائيل تمتلك التفوق الجوي والاستخباري والناري، وتستطيع أن تضغط على نقاط استراتيجية، وأن تدمر وتتحرك وتعيد التموضع، فيما لا يبدو أن حزب الله يملك اليوم هامشاً ميدانياً يسمح له بإجبار إسرائيل على الانسحاب من خلال القوة وحدها، من دون كلفة هائلة على الجنوب ولبنان. وهذا لا يعني أن السيطرة الإسرائيلية على أي موقع تعني حسم الحرب أو إسقاط قدرة الحزب، لكنه يعني أن القدرة على منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة باتت أضعف من القدرة الإسرائيلية على فرضها.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل علي الطاهر أكثر من مجرد عنوان عسكري.إنها اختبار لطريقة إدارة الصراع.
لكنّ المشكلة اللبنانية في مكان آخر: كيف يمكن تحويل التفاوض على وقع التصعيد الاسرائيلي من مجرد إدارة الحرب إلى أداة لاستعادة الحقوق؟