Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

قانون الإعلام الجديد: نقابتان في مواجهة السلطة

اعترضت نقابتا الصحافة والمحررين على قانون الاعلام الجديد الذي أقرّه مجلس النواب.
زمن الصحافة الورقية
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


المحرر السياسي- أخطر ما في تداعيات غضب نقابتي الصحافة والمحررين من قانون الإعلام الجديد أن تتحوّل المعركة بين النقابتين ووزير الاعلام بول مرقص الذي استطاع أن يدفع الى إقرار قانون للاعلام فنجح في أمكنة ولم يستطع أن يلبي مطالب النقابتين كاملة باعتبار أن مجلس النواب هو صاحب الكلمة الفصل.
اذا، المعركة النقابية تتخطى الوزير أو الحكومة لتطال منظومة سياسية تتحكّم بالأكثرية النيابية، مع تحديد أولويات منها ما هو "مقدس" كتحديد الأخطر المتمثّل بالسؤال التالي: هل يجوز أن يبقى الصحافي مهددًا بالتوقيف أو بعقوبة سالبة للحرية بسبب ما يكتب أو ينشر أو يقول؟
هذا سؤال جوهري لا ينبغي التقليل من شأنه، ولا سيما في بلد اعتاد أن تكون حرية الصحافة فيه موضع اختبار دائم. وقد جاء موقف النقابتين واضحًا بعد إقرار القانون في مجلس النواب، إذ اعتبرتا أن النص أبقى "سيف السجن" مسلطًا على الصحافيين، ودعتا إلى مواجهته.
لكن القانون الجديد يفتح، في المقابل، بابًا آخر للنقاش ربما لم يحظَ بالاهتمام نفسه، باب التنظيم النقابي للإعلاميين.
وهنا تبرز مسألة تستحق التوقف عندها، هل ما زال الجسم الصحافي اللبناني، بكل التحولات التي طرأت على المهنة، يمكن اختزاله في نقابتي الصحافة والمحررين؟
هذا السؤال يفرض أن تتحلى النقابتين بالجرأة الكاملة في التوصل الى إجابات .
نشأت النقابات الصحافية اللبنانية في زمن كانت فيه الصحيفة هي المؤسسة الأساسية لإنتاج الخبر وتوزيعه. وكانت الحدود بين الصحافي والمحرر والمراسل والمطبوع واضحة نسبيًا، فيما كانت الصحافة الورقية هي المجال الرئيسي للمهنة.
لكن هذا العالم تغيّر جذريًا.
فالصحافي اللبناني اليوم يعمل في الصحيفة، والإذاعة، والتلفزيون، والموقع الإلكتروني، والمنصة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغرف الأخبار المشتركة، وشركات الإنتاج، والمؤسسات الإعلامية المتخصصة، وأحيانًا بصورة مستقلة خارج أي مؤسسة تقليدية.
ولم يعد الصحافي وحده هو الذي ينتج المحتوى الإعلامي. دخل إلى المهنة منتجو الفيديو، والمصورون، والمحررون الرقميون، وصانعو المحتوى، ومديرو المنصات، والمتخصصون في التحقق من الأخبار والبيانات، وغيرهم من المهن التي لم تكن موجودة عندما تشكل النظام النقابي التقليدي.
لذلك، فإن السؤال عن النقابات ليس سؤالًا عن منافسة نقابة لنقابة، بل عن مدى قدرة النظام النقابي نفسه على تمثيل مهنة تغيرت طبيعتها.
ثمة حقيقة تاريخية ينبغي ألا تغيب عن النقاش، حتى في زمن ازدهار الصحافة التقليدية، لم يكن التمثيل المهني للإعلاميين محصورًا فعليًا في النقابتين.
فوزارة الإعلام تشير إلى وجود رابطة متخرجي كلية الإعلام والتوثيق التي تأسست عام 1972، كما تشير إلى نادي الصحافة الذي تأسس عام 1994، وهما جمعيتان تعنيان بشؤون الصحافة والإعلاميين.
وهذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن الحياة المهنية للإعلاميين اللبنانيين عرفت، منذ عقود، أطرًا أخرى غير الإطار النقابي التقليدي.
فـ«نادي الصحافة»، مثلًا، لم يكن مجرد تجمع اجتماعي للصحافيين، بل تحول إلى مساحة مهنية وإعلامية تستضيف المؤتمرات والندوات وتناقش قضايا المهنة وتوفر للصحافيين إطارًا للتحرك والتواصل.
وكذلك رابطة متخرجي كلية الإعلام والتوثيق، التي نشأت في مرحلة مبكرة من تاريخ التعليم الأكاديمي للإعلام في لبنان، كانت تعبيرًا عن هوية مهنية تتجاوز الانتماء إلى صحيفة أو مؤسسة إعلامية بعينها.
إلى جانب ذلك، ظهرت خلال السنوات الماضية جمعيات وأطر مدنية ومهنية أخرى تعنى بحرية الصحافة أو بشؤون الإعلاميين، بينها أطر تعمل في مجال الدفاع عن حرية الإعلام والتدريب والتطوير المهني. وهذه الظاهرة بحد ذاتها تقول شيئًا مهمًا: الجسم الإعلامي اللبناني لم ينتظر النقابتين دائمًا لكي ينظم نفسه.
ولعل تجربة تلفزيون لبنان تقدم مثالًا أكثر دلالة.
فالتلفزيون اللبناني بدأ في أواخر الخمسينيات، قبل الحرب بسنوات طويلة، وتطور خلال الستينيات والسبعينيات إلى مؤسسة إعلامية تضم عددًا كبيرًا من المهن والاختصاصات. وفي هذا السياق نشأ أيضًا التنظيم النقابي الخاص بالعاملين في تلفزيون لبنان، بما يعكس حقيقة مختلفة عن نقابتي الصحافة والمحررين، فالعامل في التلفزيون ليس بالضرورة محررًا في صحيفة، والمصور والمخرج والفني والإداري والمذيع والموظف التلفزيوني لا تتطابق طبيعة عمله مع طبيعة عمل الصحافي في الصحافة المكتوبة.
وهنا تظهر أهمية هذه التجربة تاريخيًا. فالإعلام لم يكن يومًا مهنة واحدة متجانسة، حتى عندما كان يبدو كذلك من الخارج.
هل تخشى النقابات من التعدد أم من فقدان الاحتكار؟
من هنا يمكن فهم جانب من الجدل الذي أثاره القانون الجديد بطريقة مختلفة.
إذا كان القانون يفتح الباب أمام إنشاء نقابات جديدة، فإن ذلك قد يكون مدعاة للقلق من جهة، لأن تعدد النقابات قد يؤدي إلى تشظي الجسم الإعلامي وإضعاف قدرته على التفاوض والدفاع الجماعي عن الحريات والمصالح المهنية.
لكن المسألة يمكن أن تقرأ من زاوية أخرى أيضًا.
هل احتكار التمثيل النقابي هو شرط لحماية الصحافي؟
ليس بالضرورة.
فالقوة النقابية لا تأتي فقط من عدد النقابات، وإنما من قدرتها على الدفاع عن الحرية المهنية، وحماية أعضائها، ورفع مستوى المهنة، والتفاوض باسم العاملين فيها.
وقد يكون تعدد الأطر النقابية والمهنية، إذا جرى تنظيمه بصورة صحيحة، انعكاسًا لتعدد المهن الإعلامية نفسها، بعيداً عن الطائفية والمناطقية لا تهديدًا لها.
المشكلة تبدأ فقط عندما تتحول النقابات إلى جزر منفصلة تتنافس على النفوذ والعضوية والموارد، بدل أن تتنافس على تطوير المهنة وحماية العاملين فيها.
هنا تكمن المفارقة والخطورة في قانون الإعلام الجديد.
ففي الوقت الذي تخشى فيه نقابتا الصحافة والمحررين من النصوص التي قد تتيح توقيف الصحافيين أو معاقبتهم، يفتح القانون في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول مستقبل التمثيل النقابي نفسه. وهي معركة تحتاج إلى قدر كبير من العقلانية والهدوء، حتى لا يجد الديماغوجيون فيها منفذًا لتمرير رسائل لا تمت إلى الهمّ النقابي بصلة، فتُستدرج القضية إلى متاهات الطائفية والحزبية، وتفقد النقابتان جوهر معركتهما دفاعًا عن المهنة وحرياتها.
 

آخر الأخبار