Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أقلامنا

لبنان الكبير: ماذا فعل اللبنانيون ب"الفكرة اللبنانية"؟

قدّم الموارنة في لحظة التأسيس مشروع لبنان، لكن مسؤولية ما فعله اللبنانيون بهذا المشروع أصبحت مسؤولية جماعية.
اعلان لبنان الكبير
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه-في الأول من أيلول 1920، أُعلن لبنان الكبير. وبعد أكثر من مئة عام، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية: لماذا أراد الموارنة لبنان الكبير؟ بل ماذا فعل اللبنانيون، جميع اللبنانيين، بـ"الفكرة اللبنانية"؟
كثيرون يتهمون الموارنة اليوم بأنهم فقدوا المشروع، أو لم يعد لديهم ما يقدمونه للبنان. ربما يكون في هذا الاتهام شيء من الحقيقة السياسية الراهنة، لكنه يتجاهل حقيقة تاريخية أساسية: الموارنة قدموا، في لحظة تأسيس لبنان، مشروعهم الأكبر والأكثر وضوحاً لدولة لبنانية تقوم على التعدد والحرية والعيش المشترك.

قد يختلف اللبنانيون حول ظروف ولادة لبنان الكبير، وحول الدور الفرنسي، وحول حدود الكيان ومصالح الجماعات التي أيدته أو عارضته. لكن يصعب إنكار أن الصيغة التي تطورت داخل هذا الكيان أنتجت مساحة من الحرية والتعدد والتنوع السياسي والثقافي والديني، جذبت،  مختلف الجماعات اللبنانية وأصبحت جزءًا من تجربتها.
لم يكن لبنان، بالتأكيد، دولة مثالية. لكنه كان استثناءً: صحافة حرة، جامعات مفتوحة، أحزاب متنافسة، تعدد ديني، حرية فكر وتعبير، وحياة ثقافية واقتصادية تجاوزت حدود حجمه.
والأهم أن المسيحيين والمسلمين لم يعيشوا فيه، في أفضل مراحله، مجرد جماعات متجاورة، بل دخلوا في تجربة سياسية واجتماعية مشتركة، حتى وإن بقيت الطائفية جزءاً من بنيته. فالطائفية لم تمنع قيام لبنان، ولم تكن وحدها سبب سقوطه. عاش لبنان طويلاً داخل توازناتها، ونجح، رغم تناقضاتها، في إنتاج صيغة للتعايش والحرية لم تستطع المنطقة المحيطة به أن تنتج مثيلاً لها.
لكن السؤال اليوم ليس فقط، من أسّس لبنان ولماذا؟ بل من حافظ عليه، ومن أضاعه، وماذا فعلت به القوى والجماعات التي شاركت في حكمه وصياغة مصيره؟
إذا كان الموارنة يُلامون على أنهم بنوا "مزرعة" أو "منظومة" في لبنان، كما تقول بعض الألسن، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد الطائف هو من أدار هذه "المنظومة" بعدما تغيرت موازين السلطة؟
فبعد اتفاق الطائف، تغيرت معادلات السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية، وانتقلت أجزاء أساسية من القوة السياسية إلى شركاء آخرين. ثم دخل لبنان مرحلة طويلة من الوصايات والتوازنات الإقليمية، وصولاً إلى صعود قوى مسلحة أصبح قرارها، في مراحل كثيرة، يتقدم على قرار الدولة.
ومع ذلك، بقيت رواية "المزرعة" أو منظومة "المارونية السياسية"  تُستخدم أحياناً وكأنها تختصر تاريخ لبنان كله، وكأن الذين تولوا السلطة أو شاركوا فيها بعد الطائف لا يتحملون مسؤولية ما آلت إليه البلاد.
لكن المسألة أعمق من توزيع المسؤوليات بين الطوائف. فحتى لو لم يكن النظام اللبناني قائماً على الطائفية، ولو اتجه منذ وقت مبكر نحو العلمنة التي طرحها البطريرك أنطونيوس خريش في بداية الحرب، هل كان لبنان، في ظل الازدواجيات التي تحكمه، ولا سيما في قرار الحرب والسلم، سينجو بالضرورة من النكبة؟
لقد نجح اللبنانيون، إلى حد كبير، في حماية فكرة التعدد، لكنهم فشلوا في حماية الدولة من المحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية ومنطق الغلبة. وفي مراحل معينة، أصبح السلاح بديلاً من الدولة، وأصبح الخارج مرجعاً سياسياً وأمنياً لبعض الداخل.
وهنا تكمن المفارقة، لبنان لم يفشل لأنه كان متعدداً، بل لأنه لم يستطع تحويل تعدده إلى دولة.
فالطائفية، بكل عيوبها، لم تكن وحدها المشكلة. المشكلة كانت في عجز اللبنانيين عن إنتاج قواعد مشتركة تتقدم على العصبيات، ودولة تكون مرجعاً أعلى من الجماعات، وسيادة لا تتجزأ بحسب موازين القوى.
ولعل المفارقة الأكبر أن الذين يطالبون اليوم بإعادة تعريف لبنان أو بتغيير هويته السياسية لا يقدمون بالضرورة مشروعاً بديلاً أكثر قدرة على إنتاج دولة حديثة، أو أكثر التزاماً بالحرية والتعدد والسيادة.
وهنا يعود السؤال إلى الجميع:
إذا كان المشروع الماروني قد انتهى، فأين المشروع اللبناني البديل؟
إذا كان لبنان الكبير خطأً تاريخياً، فما هو التصحيح؟
وإذا كانت صيغة التعدد والحرية قد فشلت، فما الصيغة التي ستنتج حرية أكبر، وتعايشاً أكثر، وأماناً أوسع؟
لا يكفي أن نقول إن الموارنة فقدوا مشروعهم.
ربما السؤال الأصح، هل كان المطلوب منهم أن يقدموا مشروعاً جديداً، بعدما قدموا لبنان نفسه كمشروع أسمى؟
فمنذ إعلان لبنان الكبير، لم يعد الكيان ملكاً لجماعة واحدة. لقد أصبح، مع الزمن، ملكاً سياسياً ومعنوياً لكل من عاش فيه وشارك في بنائه، وخصوصاً بعدما تحولت الجماعات المؤسسة والمتشاركة فيه من جماعات متجاورة إلى شركاء في وطن واحد.
ولهذا فإن مسؤولية الدفاع عن "الفكرة اللبنانية" لم تعد مسؤولية حصرية. إنها مسؤولية اللبنانيين جميعاً.
والتحدي اليوم ليس أن تعود ساعة التاريخ إلى الوراء، بل أن يثبت اللبنانيون أنهم قادرون على تطوير الفكرة اللبنانية، لا على استبدالها بفكرة أكثر انغلاقاً، أو أكثر ارتباطاً بالخارج، أو أكثر استعداداً لتحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين.
فهل استطاع اللبنانيون أن يجعلوا من لبنان الذي ورثوه وطناً أفضل من لبنان الذي تسلّموه؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مؤلمة.
لقد اختلف اللبنانيون طويلاً على لبنان الكبير، ثم اتفقوا عليه، ثم اختلفوا على السلطة داخله، حتى كادوا ينسون السؤال الأساسي:
لماذا نريد لبناناً أصلاً؟
فلبنان الكبير لم يعد مجرد حدث تاريخي مضى. إنه سؤال مفتوح عن قدرة اللبنانيين على تحويل كيان جغرافي إلى وطن، والتعدد إلى شراكة، والحرية إلى نظام، والسيادة إلى ممارسة.
فالفكرة اللبنانية لا تحتاج اليوم إلى من يحييها، تحتاج فقط إلى من ينقذها من الموت.
 

آخر الأخبار