Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

لبنان بين فجوة الودائع وفجوة الجنوب

لم يخرج لبنان بعد من انهيار 2019 بل يجد نفسه أمام كلفة إضافية للحرب فيما الدولة لم تحسم بعد كيفية توزيع خسائر الانهيار الأصلي.
كريم سعيد
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- قد تبدو مقابلة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مع CNN الاقتصادية للوهلة الأولى مقابلة مالية تتعلق بمصير الودائع والذهب وقانون الفجوة المالية. لكن خلف الأرقام التي أعلنها الحاكم تختبئ صورة لبنان الأوسع، بلد لم يُغلق بعد حسابات انهياره المالي، فيما تتراكم فوقه كلفة نكبة جنوبية جديدة تهدد بإعادة فتح جروح اقتصادية ومالية لم تندمل أصلاً.
يقول سعيد إن موجبات مصرف لبنان تجاه المصارف والمودعين تبلغ نحو 79.5 مليار دولار، وإن قانون الفجوة المالية قد يحتاج إلى ستة أو ثمانية أشهر إضافية قبل إقراره، رغم العمل على صيغة يفترض أن تصل إلى مجلس النواب. كما يشير إلى أن نحو 30 في المئة من هذه الموجبات قد تتضمن ما سماه "شوائب"، على أن تُسدّد المبالغ المستحقة بعد التدقيق نقداً على مدى سنوات أو عبر سندات. 
هذه الأرقام تقول شيئاً أساسياً: الانهيار اللبناني لم يصبح من الماضي.
فما بدأ في 2019 بانكشاف نموذج مالي واقتصادي كامل، لا يزال ينتظر تسوية سياسية وتشريعية تحدد من يتحمل الخسائر وكيف يستعيد المودعون أموالهم. وحتى الآن، لم يتحول التعافي المالي إلى واقع مكتمل، بل لا يزال مشروعاً معلقاً بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف ومجلس النواب وصندوق النقد الدولي.
وهنا تبرز المفارقة اللبنانية الكبرى.
فالبلد الذي لم يتمكن بعد من معالجة "فجوة" مالية تقارب عشرات مليارات الدولارات، يواجه اليوم فجوة أخرى تتعلق بالجنوب: دمار، نزوح، خسائر في البنية التحتية، وتعطّل قطاعات إنتاجية واستثمارية، فضلاً عن استمرار المخاطر الأمنية التي تجعل أي خطة لإعادة الإعمار مرتبطة أولاً بمصير الوضع العسكري والسياسي.
بمعنى آخر، لم يعد السؤال فقط من يدفع ثمن الانهيار المالي؟بل أصبح أيضاً من سيدفع ثمن الانهيار العمراني والاقتصادي الذي أصاب الجنوب؟
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فالاقتصاد اللبناني الخارج من أزمة مصرفية تاريخية لا يملك، في وضعه الحالي، القدرة على تمويل إعادة إعمار واسعة من موارده الذاتية. والدولة التي ما زالت تفاوض على كيفية توزيع خسائر النظام المالي لن تستطيع ببساطة أن تتحمل وحدها كلفة إعادة إعمار مناطق واسعة تضررت بفعل الحرب.
ولذلك يصبح الاستقرار المالي أكثر من مجرد قضية مودعين ومصارف. إنه شرط لإعادة بناء الدولة نفسها.
حتى الذهب، الذي يمثل أحد آخر الأصول الكبرى التي ينظر إليها اللبنانيون باعتباره احتياطياً وطنياً، دخل مجدداً في النقاش. سعيد يقول إنه ليس مع بيع الذهب من حيث المبدأ، لكنه لا يغلق الباب أمامه في حال واجه مصرف لبنان التزاماً ملحاً تجاه المودعين، مشدداً في الوقت نفسه على أن الذهب ليس لتمويل الدولة أو المصارف.
وهذه النقطة تكشف حجم المأزق: الأصول المتبقية ليست ترفاً مالياً، بل آخر ما تبقى من رصيد الثقة في الدولة.
وبانتظار بناء الثقة والاقتصاد والجنوب ، يدور لبنان في الحلقة نفسها: انهيار يُرحّل، خسائر تُرحّل، وإعمار ينتظر استقراراً لا يأتي.
 

آخر الأخبار