Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

معركة الخلافة في بكركي بدأت قبل حسم مصير الراعي

تتردد معلومات منذ سنة عن خروج البطريرك الراعي من كرسيّ بكركي.
البطريرك الراعي
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم يكن الحديث عن مغادرة البطريرك الماروني بشارة الراعي السدة البطريركية وليد الساعات الأخيرة. فمنذ أكثر من سنة، تتناوب في الكواليس والإعلام روايات عن استقالة محتملة للبطريرك، ثم تخفت، قبل أن تعود إلى الواجهة. وفي كانون الثاني 2025، اضطرت شخصيات كنسية وسياسية إلى نفيها، فيما تكرر الحديث عنها مطلع 2026 من دون أن يتحول إلى مسار كنسي فعلي. 
لكن ما تغيّر الآن ليس بالضرورة موقف الراعي، بل البيئة القانونية التي أعادت إطلاق السؤال.
ففي 29 آب، أصدر البابا لاوون الرابع عشر الرسالة الرسولية «Mutua concordia»، معدلاً القانونين 106 و126 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية. والتعديل يمنح سينودس الكنيسة البطريركية، في حالات استثنائية، صلاحية الدخول في مسار يمكن أن ينتهي بعزل البطريرك إذا أصبحت الشركة بينه وبين الأساقفة متضررة بصورة خطيرة وغير قابلة للإصلاح. ويشترط لذلك مساراً قانونياً يضمن للبطريرك حق الدفاع، وتصويتاً سرياً بأكثرية الثلثين، على أن يصبح قرار العزل نافذاً بعد موافقة البابا. كما ينظم القانون الجديد آلية قبول استقالة البطريرك.
وهنا تحديداً بدأ الالتباس.
فالقرار البابوي لا يذكر البطريرك الراعي ولا الكنيسة المارونية بالاسم، ولا يعني أن الفاتيكان طلب إقالته أو عزله. إنه تعديل عام لقوانين الكنائس الشرقية لسد ثغرة تشريعية وتنظيم حالة استثنائية لم تكن محددة بوضوح في القانون السابق. 
لكن في السياسة الكنسية، كما في السياسة اللبنانية، لا تكفي دلالة النص وحدها. فالتوقيت يعيد إلى الواجهة كل ما كان يدور في الكواليس حول مستقبل بكركي.
منذ أشهر، كان السؤال المطروح، هل يختار الراعي، مع التقدم في السن، الطريق الذي اختاره سلفه نصرالله بطرس صفير، أي الاستقالة من المسؤوليات البطريركية من دون أن تتحول المغادرة إلى مواجهة؟ صفير نفسه تقدم باستقالته في مطلع 2011، طالباً إعفاءه من مهامه والتفرغ للصلاة والتأمل، فانتُخب بشارة الراعي خلفاً له في 15 آذار من العام نفسه. 
لكن الفارق بين التجربتين مهم.
فالاستقالة، إذا جاءت من البطريرك نفسه، تبقى انتقالاً منظماً للسلطة داخل الكنيسة، ويمكن أن تحفظ للبطريرك الخارج مكانته ومرجعيته. أما العزل، فهو شيء آخر تماماً، إنه إجراء استثنائي يفترض وجود أسباب خطيرة وخللاً عميقاً في العلاقة بين البطريرك وسينودس الأساقفة، وليس مجرد تقدم في السن أو الرغبة في فتح الطريق أمام جيل جديد.
ومن هنا يبدو أن الحديث عن عزل الراعي أصعب بكثير من الحديث عن استقالته.
فبحسب المعطيات المتداولة في الأوساط الكنسية، لا تبدو هناك كتلة وازنة في مجلس المطارنة تتجه إلى خوض معركة عزل، ولا تبدو الأسباب الموجبة التي يتطلبها القانون الجديد متوافرة بصورة تجعل هذا الخيار سيناريو مرجحاً. بل إن تحويل الخلافات أو التباينات الكنسية إلى ملف عزل سيكون خطوة بالغة الحساسية، وقد يترك جرحاً داخل الكنيسة المارونية أكبر من أي مكسب محتمل.
لذلك قد يكون العزل هو العنوان الأكثر إثارة، لكنه ليس بالضرورة السيناريو الأكثر واقعية.
الأكثر واقعية، إذا كانت المعلومات المتداولة عن رغبة الراعي في المغادرة صحيحة، هو البحث عن صيغة تحفظ للبطريرك خروجه من السدة بما يليق بموقعه، وتمنع في الوقت نفسه تحويل الانتقال إلى معركة داخلية.
وهنا تدخل بكركي في المرحلة الأصعب، مرحلة ما قبل الخلافة.
فحين يبدأ الكلام عن خروج البطريرك من بكركي، تبدأ تلقائياً سوق الأسماء. وفي الكواليس المارونية تتردد أسماء مطارنة يمكن أن تدخل في السباق إذا فتح باب الانتخاب، من بينهم ميشال عون، ويوسف سويف، ومنير خيرالله، وجوزيف نفاع، إلى جانب أسماء أخرى قد تظهر تبعاً للتوازنات داخل السينودس. لكن تداول الأسماء لا يعني وجود ترشيحات رسمية، كما أن موازين انتخاب البطريرك الماروني لا تُختصر في استطلاع أسماء أو في رغبات القوى السياسية.
فالانتخاب في النهاية شأن سينودسي، والكنيسة المارونية ليست مجرد مرآة للتوازنات السياسية اللبنانية، وإن كانت السياسة لا تستطيع أن تكون بعيدة تماماً عن حساباتها.
وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة المقبلة حساسة.
فالمطلوب ليس فقط اختيار خلف للراعي، بل تحديد أي بكركي ستأتي بعد الراعي: بكركي التي تستمر في لعب دورها الوطني والسيادي والسياسي، أم بكركي أكثر هدوءاً في علاقتها بالقوى السياسية، أم بكركي تعيد ترتيب موقعها في مرحلة لبنانية وإقليمية مختلفة تماماً عن تلك التي انتُخب فيها الراعي عام 2011؟
الراعي أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في السدة البطريركية. وخلال هذه السنوات تغير لبنان والمنطقة والفاتيكان نفسه، وتبدلت خرائط النفوذ المسيحي واللبناني، من الحرب السورية إلى انفجار المرفأ، ومن الأزمة المالية إلى حروب حزب الله المتتالية وصولاً إلى التحولات الحالية في علاقة لبنان بالدولة والسلاح والسيادة.
لذلك فإن خروج الراعي من الساحتين المارونية واللبنانية، إذا حصل، لن يكون مجرد تبديل اسم في بكركي.
إنه انتقال من مرحلة إلى أخرى.
ومن هنا يمكن فهم عودة الحديث عن الاستقالة بالتزامن مع صدور القانون الجديد. فالتعديل البابوي لم يعلن نهاية عهد الراعي، لكنه فتح الباب قانونياً أمام ما كان سابقاً أكثر تعقيداً: تنظيم الخروج البطريركي، سواء بالاستقالة أو، في حالات استثنائية جداً، بالعزل.
والراجح، في ضوء ما هو متداول، أن معركة بكركي المقبلة لن تبدأ يوم يعلن الراعي استقالته، بل تكون قد بدأت قبل ذلك بكثير، في الغرف المغلقة، عبر قراءة موازين السينودس، واختبار الأسماء، ورسم صورة البطريرك المقبل.
أما الحديث عن العزل، فقد يكون في جانب منه انعكاساً للضجيج الذي أحدثه النص البابوي الجديد أكثر مما هو تعبير عن قرار كنسي جاهز.
بكركي، على الأرجح، لا تستعد لإقالة الراعي.
إنها تستعد، بهدوء، لاحتمال خروجه.
والفارق بين الاثنين هو كل القصة، أو كل السرّ الذي يغلّف الأروقة المغلقة في "الجيش الأسود."
 

آخر الأخبار