من طالبان إلى حزب الله: هل تحاور واشنطن الإسلام السياسي أم تحاصره ؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم تكن الولايات المتحدة يوماً أسيرة قاعدة تقول إن من تصنّفهم خصوماً أو إرهابيين لا يمكن التحدث إليهم. السياسة الأميركية، في لحظاتها الأكثر براغماتية، فعلت العكس تماماً، فتحت قنوات مع طالبان، وتفاوضت معها في الدوحة وصولاً إلى اتفاق 2020، ثم أجرت اتصالات مباشرة مع "حماس" في ملفات الرهائن والحرب في غزة، فيما انتقلت في سوريا من القطيعة مع "هيئة تحرير الشام" إلى التعامل مع السلطة الجديدة في دمشق، بما في ذلك تبادل المعلومات والتفاوض بشأن ملفات أمنية وسياسية.
لا تعني هذه السوابق أن واشنطن غيّرت موقفها من الإسلام السياسي، بل تكشف شيئاً أكثر واقعية،فالأميركيون يحاورون من يستطيع التأثير في النتيجة، لا من يوافقون على مشروعه. الحوار هنا ليس اعترافاً أيديولوجياً، ولا مصالحة بالضرورة، بل أداة لاختبار القدرة على تغيير السلوك، واحتواء الخطر، وإنهاء حرب أو فتح مسار سياسي عندما يصبح البديل أكثر كلفة.
وهذا ما يجعل أفغانستان وسوريا وفلسطين والعراق أمثلة مختلفة على قاعدة واحدة. ففي أفغانستان تفاوضت واشنطن مع طالبان لأنها أدركت أن الحرب وحدها لن تنتج تسوية. وفي العراق، تعاملت على مدى سنوات مع بيئة سياسية وأمنية شيعية معقدة تضم أحزاباً وفصائل مسلحة، لأن استقرار الدولة العراقية لا يمكن فصله عن القوى التي تمتلك نفوذاً داخلها وخارجها. وفي سوريا، بدا التحول أكثر وضوحاً، فلم تعد واشنطن تتعامل مع الإسلاميين باعتبارهم كتلة واحدة، بل تراقب قدرتهم على الانتقال من منطق الجماعة المسلحة إلى منطق السلطة، وعلى قطع أو تقليص صلاتهم بالتنظيمات الجهادية. ولم يكن رفع العقوبات عن سوريا وإعادة فتح قنوات التعامل معها مجرد مكافأة، بل اختباراً لشروط التحول السياسي والأمني.
أما "حماس"، فقد أظهرت الاتصالات الأميركية المباشرة معها أن الضرورات الإنسانية والأمنية يمكن أن تفرض قناة مع جهة ترفض واشنطن الاعتراف بها سياسياً. فالاتصال لا يعني تبني الحركة، كما أن التفاوض معها لا يلغي مطالبة واشنطن بتغيير سلوكها أو بنزع سلاحها. بل إن مسار غزة كشف المعادلة بوضوح أكبر، يمكن أن تتحدث واشنطن مع الحركة في الوقت الذي تضغط عليها لتتحول من قوة مسلحة إلى طرف منزوع السلاح داخل ترتيبات سياسية جديدة. وقد وصلت هذه المقاربة في صيف 2026 إلى إعلان أميركي عن اتفاق يتضمن نزع سلاح "حماس"، وإن بقيت تفاصيل التنفيذ ومراحل الانسحاب الإسرائيلي موضع نزاع.
من هنا تصبح الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً.
فإذا كانت الولايات المتحدة قد تحدثت مع طالبان وحماس، وتعاملت مع قيادة سورية خرجت من رحم تنظيم إسلامي مسلح، فلماذا يبدو الحوار مع حزب الله مختلفاً؟ وهل يكفي أن يقال إن واشنطن "لا تتحدث مع الحزب" بينما لبنان نفسه يشهد اتصالات أميركية ـ لبنانية وإقليمية تبحث في الجنوب والسلاح ومستقبل الترتيبات الأمنية؟
المسألة، على الأرجح، ليست في مبدأ الحوار بل في موضوعه وسقفه ونتيجته. فواشنطن تستطيع أن تتحدث مع خصم مسلح إذا كان الهدف إخراجه من الحرب أو إدخاله في تسوية، لكنها لا تكون مستعدة بالضرورة لمنحه حق النقض على الدولة التي يجري التفاوض باسمها. وهذا هو الفارق الحاسم في الحالة اللبنانية، فالمطلوب أميركياً ليس الاعتراف بحزب الله كدولة داخل الدولة، بل اختبار إمكانية الانتقال من قوة مسلحة تملك قرار الحرب إلى مكوّن سياسي يخضع لقرار الدولة.
ولهذا تبدو الرسائل الأميركية إلى لبنان مزدوجة ظاهرياً لكنها أكثر وضوحاً عند جمعها، فالباب الدبلوماسي ليس مغلقاً، لكن سقفه هو الدولة. وحتى في التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي توم براك، ظهر تشدد واضح حيال التفاوض المباشر مع حزب الله وارتباطه بإيران، بالتوازي مع الحديث عن مستقبل الجنوب وسلاح الحزب.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية. فالحزب يستطيع أن يقرأ السوابق الأميركية مع طالبان وحماس باعتبارها دليلاً على أن واشنطن، مهما بلغت ضغوطها، تنتهي إلى الحوار مع القوة التي لا تستطيع تجاوزها. وقد تحاول إيران بدورها اختبار هذه الفرضية من الساحة اللبنانية، خصوصاً بعدما تحولت الساحة إلى واحدة من نقاط التماس في الصراع الأميركي ـ الإيراني الأوسع. لكن واشنطن تستطيع قراءة التجارب نفسها بطريقة معاكسة،فكلما فتحت حواراً مع حركة مسلحة، كان الهدف النهائي تغيير شروط وجودها، لا تكريس وضعها السابق.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن أن تحاور واشنطن حزب الله؟بل: ما الذي تريده واشنطن من الحوار إذا حدث؟
هل هو مجرد فتح قناة لخفض التصعيد؟ أم التفاوض على ترتيبات الجنوب؟ أم البحث في مستقبل السلاح؟ أم الضغط من أجل صيغة تنقل الحزب من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية داخل الدولة؟
الفارق بين هذه الاحتمالات هائل. فالحوار الذي يهدف إلى وقف إطلاق النار شيء، والحوار الذي يعيد تعريف موقع حزب الله داخل النظام اللبناني شيء آخر تماماً.
ولبنان، في هذه اللحظة، لا يملك ترف الانتظار. فالمعادلة في الجنوب تتغير ميدانياً وسياسياً، وما قبل حسم ملف تلة علي الطاهر ليس بالضرورة ما بعده، كما أن ما قبل الانتخابات الإسرائيلية ليس بالضرورة ما بعدها. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة في موقع من يريد منع انهيار الدولة اللبنانية وفي الوقت نفسه منع تحويلها إلى مساحة تفاوضية مفتوحة لإيران وحزب الله.
لذلك قد يكون أخطر ما في الرهان على البراغماتية الأميركية، أنه يقرأ نصف التجربة فقط. نعم، واشنطن تحاور خصومها عندما تقتضي المصالح ذلك. لكنها، في المقابل، تدخل الحوار وهي تحمل شروطاً أكثر من الاعترافات، وأهدافاً أكثر من التنازلات.
من طالبان إلى حماس وسوريا، لم يكن السؤال الأميركي، كيف نتصالح مع الإسلام السياسي؟ بل كيف نجعل القوة التي فرضت نفسها بالسلاح قابلةً للإدماج في نظام سياسي يخدم المصالح الأميركية والإقليمية؟
وهنا تحديداً يقع الاختبار اللبناني.
فإذا كان حزب الله يعتقد أن سوابق طالبان وحماس تعني أن الصمود يفتح في النهاية باب التفاوض، فقد تكون واشنطن تقرأ السوابق نفسها باعتبارها دليلاً على أن الحوار يأتي بعد تغيّر ميزان القوة، لا بديلاً عنه.
وبين القراءتين، يبقى لبنان الساحة التي قد تختبر مرة جديدة حدود البراغماتية الأميركية، هل تفتح واشنطن باباً للحوار مع حزب الله لإنقاذ الدولة، أم تستخدم الحوار نفسه لإجبار الحزب على القبول بالدولة؟