Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

من مكة إلى روما... من يحمي لبنان في النظام الجديد؟

يجد لبنان نفسه بعد اتفاق مكة في دائرة من الاتفاقات الاقليمية والحروب العميقة محاولا ترسيم حدوده ليس في داخله فقط بل على خطوط التماس الكبرى.
الصلاة في المسجد الحرام
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم يكن اختيار مكة مكاناً لتوقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تفصيلاً بروتوكولياً. ففي المدينة الأكثر رمزية في العالم الإسلامي، اجتمعت ثلاث دول تختلف في الجغرافيا والحسابات والمصالح، لكنها التقت عند سؤال واحد، من يحمي المنطقة عندما تصبح المظلات الأمنية التقليدية أقل ضماناً؟
في 7 آب 2026، وقّعت الدول الثلاث اتفاقاً يعتبر أي اعتداء مسلح على إحداها اعتداءً عليها جميعاً، في خطوة توسّع التعاون الدفاعي الذي بدأ سعودياً-باكستانياً عام 2025. ومع أن الاتفاق لا يُقدَّم رسمياً باعتباره موجهاً ضد دولة بعينها، فإن دلالته السياسية تتجاوز نصوصه، فالشرق الأوسط يبحث عن ترتيبات ردع جديدة.
ما يجمع السعودية وتركيا وباكستان ليس الدين وحده. السعودية قوة عربية وخليجية واقتصادية، تركيا قوة عسكرية وإقليمية وعضو في الناتو، وباكستان قوة عسكرية ونووية ذات علاقات تاريخية وثيقة بالرياض. لكن بينها أيضاً اختلافات كبيرة في المصالح والسياسات.
لذلك يصعب وصف الاتفاق بأنه "ناتو إسلامي". الأدق أنه شبكة ردع وتنسيق إقليمي تعكس رغبة متزايدة في امتلاك قدر أكبر من القدرة على حماية المصالح الوطنية، وعدم ترك الأمن الإقليمي بالكامل لمعادلات القوى الكبرى.
وهنا تدخل إيران وإسرائيل إلى المشهد.
فالسعودية، رغم المصالحة مع طهران، لم تتخلَّ عن حساباتها الأمنية تجاهها. وتركيا، التي تحافظ على قنوات مع إيران، تريد في الوقت نفسه تثبيت موقعها كقوة إقليمية مستقلة. أما باكستان فتوازن بين علاقتها بالسعودية وإيران والولايات المتحدة والصين.
لذلك لا يبدو اتفاق مكة إعلاناً لحرب على إيران، بقدر ما يبدو رسالة مفادها أن الحوار مع طهران يمكن أن يستمر، لكن من موقع إقليمي أكثر توازناً.
أما إسرائيل، فقد أصبحت عاملاً إضافياً في إعادة صياغة الحسابات الأمنية. فتفوقها العسكري وشراكتها الأميركية، إلى جانب الحرب المفتوحة مع إيران، عززا لدى دول المنطقة الشعور بأن قواعد الأمن القديمة لم تعد كافية.
وهكذا، ومن دون أن يكون هناك حلف معلن ضد إسرائيل أو إيران، تدفع المواجهة بينهما المنطقة إلى نتيجة واحدة وفق  تعدد مراكز الردع.
وهنا تبدأ قصة لبنان.
فلبنان ليس بعيداً عن هذه التحولات. فهو إحدى أكثر ساحات الصراع الإيراني-الإسرائيلي حساسية، لكنه يدخل اليوم مرحلة مختلفة في إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها.
وهذا ما يجعل مفاوضات روما أكثر من مجرد تفاوض لبناني-إسرائيلي على الانسحاب والحدود. فهي جزء من محاولة أوسع لإعادة ترتيب الأمن في جنوب لبنان، من خلال توسيع المناطق التي يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية، وربط الانسحاب الإسرائيلي بمسار التحقق من الوضع الأمني ونزع سلاح حزب الله. وقد انتهت الجولة الأخيرة إلى تقدم في بحث آلية التحقق، مع اتفاق على إعداد لائحة دول يمكن أن تشارك في هذه المهمة.
من هنا يمكن فهم الصلة بين مكة وروما.
في مكة، تبحث ثلاث دول إقليمية عن صيغة جديدة للردع. وفي روما، يجري البحث عن صيغة جديدة للأمن في لبنان.
المساران ليسا مترابطين باتفاق مباشر، لكنهما يتحركان في البيئة الإقليمية نفسها وهي بيئة تتراجع فيها فكرة أن تظل الدول رهينة لصراعات المحاور، وتتقدم فيها فكرة أن تكون الدولة صاحبة القرار الأمني على أراضيها.
وهنا تكمن أهمية التحول بالنسبة إلى بيروت.
فإذا كانت السعودية وتركيا وباكستان تتجه إلى تعزيز قدرتها على حماية نفسها، وإذا كانت إيران تعيد حساباتها، وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى تثبيت تفوقها، فإن لبنان يجد نفسه أمام سؤال لم يعد قابلاً للتأجيل، وهو،هل يكون جزءاً من نظام إقليمي جديد بصفته دولة، أم يبقى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الأمن الإقليمية؟
ربما تكون هذه هي المسافة الحقيقية بين مكة وروما.
في مكة، تُرسم ملامح معادلة إقليمية جديدة.
وفي روما، يُختبر ما إذا كان لبنان قادراً على أن يجد لنفسه مكاناً فيها... كدولة لا كساحة.
 

آخر الأخبار