Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أقلامنا

من موظفي الدولة إلى قياداتها: هل كانت الميليشيا أكثر نزاهة؟

يُضرب عدد من موظفي الدولة احتجاجا على عطايا الحكومة وهذا يطرح المقارنة بين موظفي القطاع العام وبين تجارب ميليشياوية.
موظفو الدولة
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه – ربما ليس هذا هو التوقيت المثالي لفتح هذا النقاش. فالجنوب اللبناني، بما يحمله من مخاطر مفتوحة، يبقى الأولوية، فيما تقف البلاد على أبواب خريف اقتصادي واجتماعي شديد الصعوبة، وسط أزمة معيشية خانقة وتوتر متصاعد في القطاع العام، بعد الزيادات التي أقرتها الحكومة أخيراً والتي لم تُنهِ الاعتراضات بل دفعت إلى الإضراب.
لكن بعض الأسئلة لا تنتظر التوقيت المثالي. وربما يكون السؤال عن الفساد والثروة العامة واحداً منها.
من يتابع، في الآونة الأخيرة، مقابلات عدد من القيادات والمقاتلين السابقين في الميليشيات اللبنانية عبر منصات البودكاست، قد يلاحظ مفارقة تستحق التوقف. كثيرون ممن شاركوا في الحرب اللبنانية، بمن فيهم أشخاص كانوا في مواقع قيادية، لا تبدو عليهم آثار ثروة ضخمة صنعتها الحرب. وبعد انتهاء الحرب، عاد عدد كبير منهم إلى حياة عادية، أو إلى وظائف وأعمال محدودة، فيما بقيت الحرب بالنسبة إليهم تجربة سياسية وعسكرية أكثر مما كانت طريقاً إلى الثراء.
هذا لا يعني، بطبيعة الحال، تبرئة الميليشيات من مسؤولياتها التاريخية، ولا إنكار أن الحرب اللبنانية شهدت اقتصاداً موازياً، وعمليات نهب وتهريب واستغلالاً لمقدرات البلاد. كما لا يعني أن جميع المقاتلين أو القيادات كانوا متساوين في سلوكهم أو في ما راكموه خلال الحرب.
لكن المفارقة تصبح أكثر إثارة حين نضع هذه الصورة في مواجهة صورة أخرى أكثر حضوراً في لبنان اليوم، موظفون ومسؤولون في مؤسسات ودوائر معروفة في الدولة، لا يملكون، وفق ما هو معلن، مصادر ثروة تتناسب مع ما يظهر عليهم من ممتلكات ونمط حياة، ومع ذلك يتعاملون مع ثرواتهم وكأن السؤال عن مصدرها نوع من الوقاحة.
هنا لا نتحدث عن مقارنة أخلاقية بين الميليشياوي والسياسي، ولا عن تحويل المقاتلين السابقين إلى أبطال. نحن أمام سؤال مختلف تماماً: كيف يمكن لمن قاتل الدولة أن يخرج من الحرب من دون ثروة تذكر، بينما يستطيع من دخل الدولة موظفاً أو سياسياً أن يخرج منها بثروة لا يعرف أحد كيف تكوّنت؟
وهذه المفارقة لا تتعلق بالموظف وحده، بل بالمنظومة التي تحيط به وتحميه. فالثروة غير المبررة لا تنشأ في الفراغ، ولا يستطيع موظف صغير، مهما كانت قدراته، أن يبني شبكة مصالح ضخمة من دون حماية سياسية أو إدارية أو مالية. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي أكبر من عبارة "موظف فاسد" ... من يحميه؟ ومن يفتح له الأبواب؟ ومن يغطيه؟ ولماذا لا يسأل أحد، من أين لك هذا؟
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الحرب لم تكن دائماً طريقاً إلى الثروة بالنسبة إلى كل من خاضها. بعض من حمل السلاح حمل معه، بعد انتهاء الحرب، ذاكرة الخسارة والقتال والانقسام، ولم يحمل بالضرورة حسابات مصرفية ضخمة.
أما ما بعد الحرب، فقد أنتج ظاهرة مختلفة: دولة ضعيفة، مؤسسات مترهلة، رقابة محدودة، وسياسة تقوم في أحيان كثيرة على توزيع النفوذ والمنافع. وفي هذه البيئة، لم يعد حمل السلاح شرطاً للسيطرة على الموارد. يكفي أحياناً أن تكون قريباً من مركز القرار، أو من شبكة سياسية، أو من مؤسسة رسمية تملك المال العام.
وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة بالنسبة إلى المواطن الذي يدفع ثمن الأزمة مرتين، مرة عندما تُنهب الدولة، ومرة عندما يُطلب منه أن يتحمل نتائج هذا النهب عبر الضرائب ورفع الأسعار وتراجع الخدمات وزيادة كلفة المعيشة.
الموظف العام الذي يُضرب اليوم احتجاجاً على غلاء المعيشة لا ينبغي وضعه في خانة واحدة مع الفاسد الذي يستغل موقعه. فالقطاع العام يضم آلاف الموظفين الذين يعيشون من رواتبهم، ويواجهون انهياراً حقيقياً في قدرتهم الشرائية. لكن من حق هؤلاء الموظفين، ومن حق المواطن معهم، أن يسألوا أيضاً، لماذا يدفع الجميع ثمن الفساد، بينما ينجو منه من راكموا الثروات؟
والسؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نرى سياسيين يتحدثون عن مكافحة الفساد والعفة والنزاهة، بينما تحيط بهم الثروات والممتلكات والشبكات المالية والسياسية من دون كشف جدي وشفاف لمصادرها.
لا يكفي أن نرفع شعار مكافحة الفساد. المطلوب أن يصبح السؤال عن الثروة جزءاً من الحياة السياسية اللبنانية: من أين جاءت؟ متى تكوّنت؟ وبأي دخل؟ وبأي صفقات؟ وبأي علاقة مع المال العام؟
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الفساد في لبنان. فهو ليس فقط رشوة يقبضها موظف صغير، ولا مخالفة يرتكبها مدير دائرة. الفساد الأكبر هو أن تتحول الدولة نفسها إلى بيئة تسمح بتراكم الثروة من دون مساءلة، ثم تطلب من المواطن الفقير أن يدفع فاتورة العجز الذي صنعه آخرون.
الجنوب اليوم في مواجهة خطر حقيقي، والاقتصاد أمام خريف صعب، والبلد لا يحتمل معارك إضافية. لكن مواجهة هذه الأخطار لا يمكن أن تكون ذريعة لتأجيل سؤال الدولة.
فالدولة التي تريد أن تطلب من مواطنيها التضحية، عليها أولاً أن تسأل الذين استفادوا منها: ماذا فعلتم بالمال العام؟ ومن أين جاءت ثرواتكم؟
لقد حمل الميليشياوي، في مراحل كثيرة من الحرب، قضية آمن بها، بصوابها أو بخطئها، ودفع ثمناً لها من حياته ومستقبله. أما أولئك الذين نهبوا الدولة والمواطن معاً، فما القضية التي حملوها؟
ربما كانت قضيتهم الوحيدة هي الدولة نفسها... ولكن كغنيمة.
 

آخر الأخبار