Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أقلامنا

من "هذه وصيتي" إلى "قدرٌ في هذا المشرق"... كمال جنبلاط يوصي ووليد يشهد

يتهافت القراء لحجز نسختهم من كتاب " قدرٌ في هذا المشرق " لوليد جنبلاط الصادر حديثاً بالعربية عن دار هاشيت أنطوان.
وليد جنبلاط
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- قد يشعر القارئ، بعد الانتهاء من قراءة كتاب"قدرٌ في هذا المشرق" لوليد جنبلاط، بأنه لم يعثر على أسرار تاريخية جديدة أو وثائق مجهولة، بل على سردية مألوفة سبق أن سمع معظم عناصرها في مقابلاته الصحافية وخطبه السياسية ومواقفه التي راكمها على مدى عقود. فالكتاب لا يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ لبنان بقدر ما يعيد ترتيب رؤية صاحبه لذلك التاريخ، ويجمعها في نص واحد متماسك.
غير أن هذا الانطباع لا ينتقص من قيمة الكتاب، بل يحدد موقعه الحقيقي. فالكتاب شهادة سياسية يكتبها أحد أبرز صناع الأحداث وشهودها. ومن هنا، لا تكمن أهميته في اكتشاف وقائع جديدة، بل في جمع رؤية متكاملة للحروب اللبنانية، وللتحالفات المتبدلة، وللتناقضات التي طبعت الحياة السياسية، كما يراها أحد أبرز الفاعلين فيها.
يتنقل الكتاب بين الماضي والحاضر، رابطاً الحرب الأهلية بالتحولات الإقليمية والأزمات اللبنانية المتعاقبة، ليخلص إلى أن لبنان عاش تاريخاً من التسويات المؤقتة أكثر مما عرف استقراراً دائماً. وهو، في هذا السياق، يختصر مساراً سياسياً وفكرياً امتد لعقود، ويتيح للقارئ متابعة تطور نظرة وليد جنبلاط إلى لبنان وإلى موقعه في المشرق، وإعادة قراءة محطات عاشها بوصفه مشاركاً في صنعها، لا مجرد راوٍ لها.
ولا يختلف "قدرٌ في هذا المشرق" عن تقليد لبناني طويل في كتابة الشهادة السياسية. فمنذ الرئيس بشارة الخوري في "حقائق لبنانية"، مروراً بالرئيس شارل حلو في "حياة في ذكريات"، والرئيس كميل شمعون في مذكراته، وسامي الصلح في "لبنان: العبث السياسي والمصير المجهول"، وصائب سلام في أجزائه المتعددة ، وصولاً إلى الرئيس أمين الجميّل في "الرئاسة المقاومة"، ظل السياسي اللبناني يشعر، بعد خروجه من السلطة أو ابتعاده عنها، بالحاجة إلى كتابة روايته الخاصة للأحداث، وكأن التاريخ الرسمي لا يكتمل إلا بصوته.
وينتمي كتاب وليد جنبلاط إلى هذا التقليد، لكنه يختلف عنه في نقطة أساسية. فمعظم الرؤساء كتبوا لتفسير قرارات اتخذوها وهم في السلطة، أو للدفاع عن خيارات حكمهم، أما جنبلاط فيكتب بصفته زعيماً عاش معظم التحولات اللبنانية لاعباً أساسياً فيها من خارج رئاسة الدولة. ولذلك تبدو مذكراته أقرب إلى قراءة لمسار لبنانيّ حديث  وتقلبات التحالفات المحلية والإقليمية، منها إلى تبرير تجربة حكم أو الدفاع عنها.
ولعل المقارنة الأجمل ليست مع مذكرات السياسيين وحدها، بل مع كتاب والده كمال جنبلاط "هذه وصيتي"، فالأب كتب وصية فكرية وفلسفية تتجاوز الحدث السياسي إلى رؤية الإنسان والمجتمع والدولة، بينما يكتب الابن شهادة سياسية عن زمن عاشه، محاولاً إعادة تفسير مساراته وخياراته. الأول يترك وصية للمستقبل، والثاني يدوّن ذاكرة الماضي. وبين الوصية والمذكرات مسافة تفصل بين الفكر والتجربة، وبين الفيلسوف ورجل السياسة، وإن جمعهما الهم اللبناني نفسه.
ولا يُقارن كتاب " قدرٌ في هذا المشرق" مع تجارب في العالم العربي، فقد كتب الرئيس أنور السادات تجربته في "البحث عن الذات"، ودوّن الملك الحسين بن طلال شهادته في "مهنتي كملك"، بينما قدّم محمد حسنين هيكل، وإن لم يكن رجل دولة، رواية استثنائية بوصفه شاهداً قريباً من مراكز القرار في مصر والمنطقة.
أما عالمياً، فتُعدّ مذكرات ونستون تشرشل عن الحرب العالمية الثانية، ومذكرات شارل ديغول، وكتابات هنري كيسنجر في الدبلوماسية والسياسة الدولية، إلى جانب سيرة "رحلتي الطويلة نحو الحرية" لـنيلسون مانديلا، نماذج بارزة لهذا النوع من الأدب السياسي. ولا تكمن قيمة هذه الأعمال بالضرورة في كشف وقائع مجهولة أو تقديم معلومات لم تكن معروفة، بل في كونها شهادات صادرة عن شخصيات شاركت مباشرة في صناعة الأحداث، فتضيء على كيفية فهمها لمسارات التاريخ، وتفسيرها لقراراتها، والصورة التي أرادت أن تقدمها عن أدوارها وتجاربها أمام الأجيال اللاحقة.
ينجح كتاب "قدرٌ في هذا المشرق" في جمع رؤية وليد جنبلاط للبنان في إطار واحد، ويختصر خلاصة فكر سياسي تشكّل عبر أكثر من نصف قرن من الحروب والتسويات وتقلبات التحالفات الداخلية والإقليمية. ومن هذه الزاوية، سيبقى الكتاب مرجعاً، لا لأنه يغيّر سردية التاريخ، بل لأنه يوثق، في عمل واحد، قراءة أحد أبرز اللاعبين السياسيين لتاريخ لبنان المعاصر.
فالكتب التي ينشرها صناع القرار لا تكتسب قيمتها لأنها تمنح الحقيقة النهائية، بل لأنها تكشف كيف رأى أصحاب القرار التاريخ الذي صنعوه، أو كيف أرادوا أن يتذكره الآخرون. وبين الذاكرة والتاريخ تبقى للمؤرخ مهمة التحقق، والمقارنة، وإعادة تركيب الوقائع. فالتاريخ لا يكتبه السياسيون وحدهم، بل يكتبه أيضاً الزمن، والوثيقة، وشهادات الآخرين.
ولعلّ لبنان، أكثر من أي بلد آخر، يحتاج إلى الانتقال من ذاكرة السياسيين إلى نصوص المؤرخين.

 

آخر الأخبار