Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

هل تفرغ إسرائيل من الداخل؟ (الحلقة الأولى): ماذا عن دول الطوق وإيران؟

نطرح في هذا الملف واقع اسرائيل بعد الحروب المتعددة الأخيرة انطلاقا من وقائع بعيدة عن التخيلات والأمنيات.
يهود روسيا
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


المحرر السياسي- انطلاقًا من المقولة الشهيرة "اعرف عدوك"، يبدو أن جزءًا من القراءة العربية واللبنانية للواقع الإسرائيلي ما زال أسير صورة قديمة لإسرائيل، كما لو أن المجتمع الذي واجه العرب في العقود الأولى لقيام الدولة ما زال هو نفسه اليوم. وهذه القراءة قد تتحول أحيانًا إلى قراءة بالمخيّلة أكثر منها قراءة للتحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة.
فإسرائيل لم تعد فقط إسرائيل جيل بن غوريون وبيغن ورابين وشارون. فمنذ تسعينيات القرن الماضي أحدثت الهجرة الكبرى من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق تحولًا ديموغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا عميقًا، مع وصول أكثر من مليون مهاجر، أصبح الناطقون بالروسية بينهم مكوّنًا وازنًا في المجتمع الإسرائيلي. ولم تكن هذه الهجرة مجرد إضافة سكانية، بل ساهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في إعادة تشكيل الخريطة السياسية باتجاه القومية واليمين والأمن والتشدد في الصراع العربي-الإسرائيلي.
لكن السؤال الأهم الذي تفرضه الحروب الأخيرة هو: هل بدأت إسرائيل تستنزف من الداخل؟
من المبكر القول إن إسرائيل "تفرغ" أو أنها مقبلة على انهيار ديموغرافي. فعدد سكانها لا يزال في ازدياد، والنمو الطبيعي موجب. لكن مؤشرات الهجرة تستحق الانتباه. فقد بقي أكثر من 90 ألف إسرائيلي في الخارج خلال العام 2025 لمدة ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل، فيما سجلت البلاد صافي هجرة سلبيًا منذ 2023.
والأهم من العدد هو نوعية من يغادر. فالتقارير تتحدث عن أطباء ومهندسين وعاملين في التكنولوجيا والعلوم وفئات علمانية وليبرالية، أي عن شرائح ترتبط مباشرة بقوة الاقتصاد الإسرائيلي وبجزء مهم من تركيبته الاجتماعية.
لذلك، فإن "الفراغ من الداخل" إذا صح التعبير، لا يعني هجرة جماعية أو انهيارًا وشيكًا، بل استنزافًا تدريجيًا لرأس المال البشري. فقد تبقى الدولة قوية عسكريًا واقتصاديًا، لكن الحرب الطويلة وكلفتها والاستقطاب السياسي وتراجع الثقة بالمستقبل قد تدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن حياة أكثر استقرارًا خارجها.
من هنا، لا ينبغي أن يتحول النقاش العربي إلى أمنيات. إسرائيل لم تفرغ ولم تنهَر، وما زالت تملك عناصر قوة كبيرة. لكن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع إسرائيل هزيمة خصومها عسكريًا؟ بل أيضًا: أي إسرائيل ستخرج من سنوات الحرب؟
وهنا تكتسب المقارنة الإقليمية أهميتها. فقد عرفت دول الطوق استنزافًا ديموغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا أعمق بكثير: سوريا دفعت ثمن حربها بنزوح وهجرة ملايين السكان وتدمير واسع لاقتصادها، ولبنان عانى من حروب وأزمات متراكمة استنزفت كفاءاته، فيما واجهت مصر والأردن ضغوطًا اقتصادية وديموغرافية وأمنية مختلفة. وإذا أضفنا إيران، وهي ليست من دول الطوق لكنها قوة إقليمية أساسية في الصراع، نجد بدورها مشكلة هجرة الكفاءات والضغوط الاقتصادية والعقوبات وتراجع جاذبية الداخل لدى قطاعات من الشباب والمتعلمين.
لكن المقارنة لا تعني مساواة هذه الحالات. إسرائيل دخلت اختبار الحرب وهي تملك مؤسسات دولة قوية، واقتصادًا متطورًا، وتفوقًا عسكريًا ودعمًا غربيًا واسعًا، فضلًا عن نمو سكاني موجب. لذلك لا يمكن وضع ما يحدث فيها في مستوى ما حدث في سوريا أو لبنان أو ما تواجهه إيران.
المقارنة الحقيقية هي في اتجاه المؤشر: هل بدأت الحروب الطويلة والضغوط السياسية والاقتصادية تجعل دول المنطقة، بدرجات مختلفة، تدفع ثمنًا بشريًا متراكمًا؟
إسرائيل قامت تاريخيًا على فكرة جذب اليهود إلى الداخل وبناء دولة يرون فيها ملاذًا ومستقبلًا. فإذا بدأت المعادلة تتحول، ولو تدريجيًا، من "الهجرة إلى إسرائيل" إلى ضرورة أن تكافح إسرائيل للاحتفاظ ببعض مواطنيها وكفاءاتها، فذلك سيكون تحولًا استراتيجيًا مهمًا.
قد لا يكون "فراغ إسرائيل من الداخل" واقعًا بعد، لكن السؤال يستحق المراقبة: هل تستطيع دولة قوية أن تخوض حربًا طويلة من دون أن تبدأ الحرب نفسها باستنزاف قوتها البشرية التي تقوم عليها؟(يتبع).
 

آخر الأخبار