Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

هل تفرغ إسرائيل من الداخل؟ (الحلقة الثانية) الانقسام إلى قلب اليمين

في الحلقة الأولى، تناولنا التحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي، ولا يكتمل فهم هذه التحولات من دون النظر إلى انعكاساتها على السياسة.
بنيامين نتنياهو
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- في قراءة واقعية لإسرائيل، بعيدًا من صورتها النمطية لدى خصومها، يتضح أنها ليست دولة منهارة، ولا نظامها السياسي على وشك السقوط برغم الحروب الأخيرة، فمؤسساتها ما زالت تعمل، وتمتلك قدرات عسكرية واقتصادية ومؤسساتية كبيرة. لكن استقرار الدولة لا يعني بالضرورة استقرار السياسة.
فالكنيست المؤلفة من 120 مقعدًا، في ظل النظام الانتخابي النسبي، تجعل تشكيل الحكومات قائمًا على الائتلافات، بحيث تستطيع الأحزاب الصغيرة، ولا سيما اليمينية والدينية، امتلاك نفوذ يفوق حجمها الانتخابي، لأنها قادرة على منح الحكومة الأكثرية أو إسقاطها.
وهنا تكمن المفارقة في أنّه كلما تراجع اليسار الإسرائيلي، لم يختفِ الانقسام، بل انتقل إلى داخل اليمين نفسه.
لم يعد السؤال الإسرائيلي الأساسي: هل يحكم اليمين أم اليسار؟ بل، أي يمين يحكم إسرائيل؟
فاليمين لم يعد كتلة واحدة. هناك يمين قومي، ويمين ديني، ويمين قومي-ديني، وتيارات أكثر تشددًا في الموقف من الفلسطينيين والتسويات الإقليمية. ومن ثم أصبح الصراع يدور داخل المعسكر الأقوى نفسه.
وهذا ما يساعد على فهم بنيامين نتنياهو بصورة مختلفة. فهو ليس فقط الزعيم الذي دفع إسرائيل نحو اليمين، بل هو أيضًا نتاج لتحولات سبقت وصوله: تراجع اليسار، ضعف حزب العمل "التاريخي"، صعود التيارات القومية والدينية، وتصاعد مركزية الأمن في وعي الناخب الإسرائيلي.
لذلك، فإن رحيل نتنياهو، إذا حدث، لا يعني بالضرورة رحيل إسرائيل التي أنتجته.
وتبدو غزة إحدى أهم المرايا لهذا الانقسام. فالحرب لم تكن مواجهة خارجية فحسب، بل دخلت في صلب المعادلة السياسية الداخلية. فنتنياهو اضطر إلى موازنة الاعتبارات العسكرية والدولية مع مطالب شركائه في الائتلاف، ولا سيما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين دفعا باتجاه استمرار الحرب ورفض التسويات التي لا تنسجم مع رؤيتهما.
وهكذا أصبحت الحرب نفسها جزءًا من الصراع السياسي الإسرائيلي: ما أهدافها؟ متى تنتهي؟ وما الذي يمكن اعتباره انتصارًا؟
وهنا يمكن التوقف عند لبنان، لا للمقارنة بين نظامين مختلفين جذريًا، بل لفهم آلية سياسية واحدة. ففي لبنان، أظهر الصراع مع حزب الله، ولا سيما في الحروب والمواجهات مع إسرائيل، كيف يمكن لقوة سياسية وعسكرية داخل الدولة أن تؤثر في قرار الحرب والسلم، وأن تجعل القرار الوطني يتجاوز المؤسسات الرسمية. وفي إسرائيل، تبدو الصورة معكوسة في الشكل، لكنها تطرح السؤال نفسه من زاوية أخرى: إلى أي حد تستطيع الحكومة اتخاذ قرار عسكري أو سياسي حين يكون بقاؤها مرتبطًا بقوى داخل ائتلافها؟
في لبنان، كان السؤال طويلًا: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وفي إسرائيل، يمكن أن يطرح سؤال مشابه ولكن في سياق مختلف، من يملك قرار إنهاء الحرب؟
هنا تكمن المفارقة الأعمق. فالدولة القوية عسكريًا ليست بالضرورة دولة متماسكة سياسيًا، والحكومة التي تملك أغلبية برلمانية ليست بالضرورة حكومة واسعة الحركة. فقد يتحول الائتلاف الذي يمنحها القوة العددية إلى قيد سياسي يحد من قدرتها على المناورة.
لذلك، فإن الحديث عن «إفراغ إسرائيل من الداخل» لا يعني أنها مقبلة على الانهيار أو التفكك. الأدق أنها تواجه دولة قوية تتعايش مع سياسة شديدة الانقسام.
والانقسام الاسرائيلي لم يعد يجري فقط بين اليمين واليسار، بل داخل اليمين نفسه. وحين يغيب اليسار القادر على تقديم بديل حقيقي، لا يختفي الصراع، بل يعاد توزيعه داخل المعسكر الحاكم.
وهنا ربما تكمن إحدى مفاتيح إسرائيل الجديدة، فاليمين لم يعد مجرد معسكر يحكم في مواجهة معسكر آخر، لقد أصبح هو نفسه ساحة الصراع السياسي.
لذلك، قد يكون السؤال عن مستقبل نتنياهو أقل أهمية من السؤال عن مستقبل البيئة السياسية التي أنتجته.
فإذا رحل نتنياهو، هل تتغير إسرائيل، أم يتغير فقط اسم من يدير التحول نفسه؟
 

 

آخر الأخبار