هل تفرغ إسرائيل من الداخل (الحلقة الأخيرة) أي إسرائيل ستخرج من الحرب؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لا تبدو إسرائيل دولة تتجه إلى الفراغ الداخلي أو الانهيار، لكن هذا لا يعني أن الحرب مرّت عليها من دون أن تغيّرها.
تشير تقارير "مؤشر المجتمع الإسرائيلي" التابع للمعهد اليهودي لسياسة الشعب (JPPI)، الى تحولات لافتة.فقد رصدت التقارير اتجاهين متوازيين بين اليهود الإسرائيليين، تقاربًا أكبر مع التقاليد والدين لدى قطاعات من المجتمع، وانجرافًا سياسيًا نحو اليمين، بدا أكثر وضوحًا بين الشباب.
لكن أهمية هذه النتائج لا تكمن في أنها تثبت أن المجتمع الإسرائيلي "أصبح" يمينيًا أو أكثر تدينًا بصورة نهائية. تقيس التقارير ما قال المستطلَعون إنهم شعروا بأنه تغيّر في مواقفهم مقارنة بما قبل الحرب، لذلك لا يمكن التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها حكمًا نهائيًا على الاتجاه الذي سيستقر عليه المجتمع الإسرائيلي.
بين الشباب اليهود الذين شملتهم الاستطلاعات، قال 45 في المئة ممن كانوا يعرّفون أنفسهم قبل الحرب بأنهم "يمين معتدل" إنهم تحركوا نحو اليمين، وبلغت النسبة 59 في المئة بين من كانوا يعتبرون أنفسهم "يمينًا قريبًا من الوسط". لكن اللافت أن 43 في المئة من أنصار الوسط قالوا أيضًا إنهم تحركوا يمينًا، وكذلك نحو نصف المنتمين إلى اليسار القريب من الوسط، وحتى نحو نصف من كانوا يعرّفون أنفسهم بأنهم يسار أو يسار عميق.
هذه ليست أرقامًا تسمح بالقول إن الحرب حسمت مستقبل السياسة الإسرائيلية، لكنها تكشف اتجاهًا في المزاج السياسي الذي شعر به الإسرائيليون أنفسهم بعد الحرب.وهنا تكمن دلالتها.فالحرب لم تكتفِ بتعبئة اليمين الموجود أصلًا، بل يبدو، وفق إجابات المستطلَعين، أنها دفعت قطاعات من الوسط واليسار أيضًا في اتجاهه.وهذا أكثر أهمية من سؤال: هل يبقى نتنياهو أم يرحل في الانتخابات المقبلة؟،لأن بقاء حكومة يمينية أو سقوطها شأن سياسي قابل للتبدل، أما انتقال المواقف داخل المجتمع، وخصوصًا بين الشباب، فهو مسألة تتصل بالمستقبل.
الشباب هو المؤشر الذي ينبغي مراقبته.فالشباب اليهودي الذي عاش الحرب سيكون جزءًا من النخبة السياسية والاجتماعية التي ستقود إسرائيل لاحقًا. وإذا كان جزء مهم منه يشعر بأنه تحرك يمينًا، فإن أثر الحرب قد لا يتوقف عند الحكومة الحالية أو الانتخابات المقبلة، بل يمكن أن يمتد إلى طبيعة الخيارات السياسية التي ستصبح ممكنة ومقبولة في إسرائيل بعد سنوات.
هنا تظهر المفارقة الأخرى.فالتقارير لا تقول إن الإسرائيليين جميعًا اتجهوا نحو الدين.
بينما أفاد التقليديون والمتدينون والحريديم بزيادة في التزامهم بالتقاليد، قال العلمانيون إن مستوى التزامهم انخفض. كذلك قال 28 في المئة من اليهود الإسرائيليين إن إيمانهم بالله ازداد، مقابل 9 في المئة قالوا إنه تراجع، وترتفع النسبة بين الشباب إلى 35 في المئة مقابل 10 في المئة.
مرة أخرى، ينبغي الحذر في قراءة هذه الأرقام لأنها تعكس إحساس الأفراد بالتغير في إيمانهم مقارنة بما قبل الحرب، لا قياسًا موضوعيًا لمستوى التدين في المجتمع. لكنها، حتى بهذا التحفظ، تكشف شيئًا مهمًا: الحرب لم تنتج مجتمعًا إسرائيليًا أكثر تجانسًا، بل ربما عمّقت بعض خطوط التمايز داخله.
فإسرائيل التي تتجه قطاعات منها نحو الدين والتقاليد ليست بالضرورة إسرائيل أكثر تماسكًا. وقد يكون العكس صحيحًا، فكلما ازداد حضور التيارات الدينية والقومية، ستعود إلى الواجهة أسئلة لم تعد هامشية: العلاقة بين الدين والدولة، تجنيد الحريديم، موقع العلمانيين، تعريف الهوية الإسرائيلية، دور الجيش، حدود السلطة السياسية والقضائية، ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين ومع المعسكر التابع لإيران.
هنا نصل إلى المفارقة الأساسية في هذه السلسلة: الانجراف نحو اليمين قد يقوي الدولة في مواجهة الخارج، لكنه لا يضمن مزيدًا من التماسك في الداخل.بل يمكن أن ينقل الصراع من سؤال "كيف يواجه الاسرائيليون الخارج؟" إلى سؤال "أي دولة يريد الاسرائيليون في الداخل؟".وهذا هو التحول الذي يستحق المراقبة.
لقد اعتاد كثير من القراءات العربية لإسرائيل أن تتأرجح بين صورتين: إسرائيل القوية المتماسكة التي لا تهتز، وإسرائيل التي توشك على الانهيار بسبب انقساماتها الداخلية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
إسرائيل لا تنهار لمجرد أن مجتمعها منقسم، كما أنها لا تصبح أكثر تماسكًا لمجرد أنها تواجه عدوًا خارجيًا، فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، بل أيضًا بقدرتها على إدارة التناقضات التي تنتجها الحرب.
ومن هذه الزاوية، تبدو إسرائيل اليوم أمام إعادة تركيب داخلي أكثر منها أمام انهيار:يمين أكثر رسوخًا.يسار أضعف.وسط يتحرك في اتجاه اليمين لدى قطاعات منه.حضور ديني وتقليدي يتعزز في قطاعات، يقابله ابتعاد علماني عن بعض مظاهر الالتزام.وجيل شاب قد تكون الحرب بدأت تؤثر في خياراته السياسية والهوياتية.
كل ذلك لا يعني أن المسار حُسم.
فالاستطلاعات تقيس لحظة، والحرب تصنع ردود فعل، والمجتمعات قد تعيد النظر في مواقفها عندما تتغير الظروف. وقد تتراجع بعض التحولات التي رصدها JPPI عندما تهدأ الصدمة، أو تظهر نتائج الحرب، أو تتغير القيادة السياسية، لكن حتى لو كانت بعض هذه الاتجاهات مؤقتة، فإن مجرد ظهورها بهذه القوة يستحق أن يؤخذ بجدية.لأن السؤال لم يعد فقط: هل تفرغ إسرائيل من الداخل؟بل أصبح:ماذا تفعل الحرب بإسرائيل من الداخل؟
والجواب الذي تسمح به هذه المعطيات، بحذر، هو أنها تدفع المجتمع الإسرائيلي إلى إعادة تعريف نفسه، سياسيًا، ودينيًا، وهوياتيًا.
ولهذا ربما تكون الخلاصة الأدق لهذه السلسلة: إسرائيل لا تفرغ من الداخل، إنها تتغير من الداخل.
والتحدي الحقيقي ليس انتظار انهيارها، بل فهم إسرائيل التي ستخرج من هذه الحرب.
فقد لا تكون إسرائيل القادمة أضعف من إسرائيل السابقة، لكنها قد تكون مختلفة عنها، وفهم هذا الاختلاف أهم من انتظار انهيارها.