هل تفكّك الفلسطينيون؟ (الحلقة الأولى) الضفة التي لم تدخل حرب غزة
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم تكن حرب غزة حربًا بقيت داخل حدود القطاع. فتح حزب الله جبهة الجنوب تحت عنوان "الإسناد"، ودخل الحوثيون من البحر الأحمر، فيما تحولت غزة إلى مركز صراع إقليمي تجاوز حدودها. أما الضفة الغربية، فلم تتحول إلى جبهة عسكرية فاعلة، ولم تشهد تعبئة شعبية واسعة ومؤثرة توازي حجم الحرب، فيما غابت في العالمين العربي والإسلامي تحركات شعبية بالزخم والتأثير اللذين شهدهما الشارع في عدد من المدن الغربية. وهكذا بدت غزة، في جانب كبير من الحرب، وكأنها تخوض المواجهة المباشرة فيما بقي الآخرون المعنيون، بدرجات مختلفة، خارجها.
قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، وكأنه نقص في التضامن مع غزة. لكن استطلاعات الرأي الفلسطينية تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
ففي استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2024، قال 77 في المئة من سكان الضفة إنهم يخشون امتداد الحرب إلى الضفة، واعتقد 63 في المئة أن إسرائيل ستنجح، إذا اندلعت الحرب، في تدمير معظم مدنها كما فعلت في غزة. والأكثر دلالة أن 90 في المئة رأوا أن حكومة بنيامين نتنياهو والمستوطنين هم الطرف الذي يمكن أن يجلب الحرب إلى الضفة، مقابل 3 في المئة فقط قالوا حماس.
لكن الخوف من الحرب لم يكن يعني رفض المقاومة.
فـ50 في المئة من سكان الضفة اختاروا الكفاح المسلح بوصفه الوسيلة الأكثر فاعلية لإنهاء الاحتلال، مقابل 24 في المئة اختاروا المفاوضات. وبلغ تأييد حماس في الضفة 37 في المئة مقابل 18 في المئة لفتح.
بل إن 73 في المئة من سكان الضفة فضّلوا عودة حماس إلى حكم غزة بعد الحرب، مقابل 36 في المئة في غزة نفسها، فيما بلغت نسبة الرضا عن أداء حماس في الضفة 75 في المئة، مقابل 39 في المئة في القطاع.
إذن، لا تبدو المشكلة غياب التعاطف مع غزة، ولا حتى غياب التأييد للمقاومة، فالمسألة أعمق: الفلسطيني في الضفة قد يؤيد المقاومة، لكنه لا يريد بالضرورة أن يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها.
وهنا تبدأ المفارقة الفلسطينية.
غزة عاشت الحرب بوصفها واقعًا يوميًا، أما الضفة فعاشتها بوصفها احتمالًا مرعبًا، إلى جانب حرب متقطعة تتعرض فيها للاقتحامات والاستيطان والعنف. غزة دفعت الثمن المباشر، فيما كانت الضفة تخشى أن يأتي دورها.
ولذلك ظهرت مفارقة أخرى، كان سكان الضفة، في بعض المؤشرات، أكثر تفاؤلًا بانتصار حماس من سكان غزة نفسها، إذ توقع 65 في المئة من سكان الضفة انتصارها، مقابل 28 في المئة في غزة.
كأن الذين يعيشون خارج الحرب كانوا، في بعض المؤشرات، أكثر حماسًا لها من الذين يعيشون داخلها.
إذاً، لا تعود المسألة عسكرية فقط، بل تصبح سياسية واجتماعية.
فالضفة تخضع لسلطة فلسطينية فقدت الكثير من شرعيتها، فيما تحكم حماس غزة منذ سنوات. وبينهما انقسام سياسي وأمني طويل، جعل الفلسطينيين يعيشون، عمليًا، في نظامين سياسيين ومجالين جغرافيين مختلفين.
وفي استطلاع 2024، طالب 90 في المئة من سكان الضفة باستقالة محمود عباس، فيما بقيت الثقة بالسلطة منخفضة. وفي أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني، ظل الشعور بعدم الأمان مرتفعًا في الضفة، بينما استمرت أزمة الثقة بالسلطة، مع بقاء حماس متقدمة على فتح في عدد من مؤشرات التأييد.
هنا ربما تكمن العقدة الحقيقية:الفلسطينيون ليسوا بلا قضية، إنهم بلا مركز سياسي واحد للقضية.
فالانقسام بين غزة والضفة ليس مجرد خلاف بين فتح وحماس. إنه اختلاف في التجربة والحسابات والأولويات: المقاومة أم البقاء؟ الحرب أم تجنبها؟ السلطة أم إعادة بنائها؟ الوحدة أم استمرار الانقسام؟
حتى المزاج الشعبي لم يعد واحدًا. فقد أظهرت استطلاعات حديثة جداً، أن سكان غزة يميلون أكثر إلى البراغماتية والحلول السياسية، بينما يظل سكان الضفة أكثر تأييدًا للكفاح المسلح وأكثر رفضًا لبعض الخطط الخارجية. وفي الوقت نفسه، يريد الفلسطينيون الوحدة والانتخابات والتمثيل، لكنهم لا يثقون بالقيادات القادرة على إنتاجها.
وهكذا تصبح حرب غزة كاشفة أكثر منها منشئة للانقسام، فهي لم تُقسّم الفلسطينيين بقدر ما كشفت أنهم كانوا منقسمين أصلًا، في السلطة، والجغرافيا، والخبرة، والأولويات، وحتى في تعريف الانتصار.
لذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس"لماذا لم تحارب الضفة؟" بل لماذا لم تعد فلسطين تمتلك قرارًا فلسطينيًا واحدًا؟
قد يكون من المبكر القول إن الفلسطينيين "تفككوا"، لكن الحرب كشفت حقيقة يصعب تجاهلها: شعب فلسطيني واحد في الذاكرة والهوية والقضية، لكنه يعيش انقسامًا عميقًا في السياسة والسلطة والجغرافيا، وفي معنى المقاومة نفسها.