هل تفكّك الفلسطينيون؟ (الحلقة الثانية): من يقاتل ومن يقرّر؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي ــ ليس المقصود التقليل من شأن القضية الفلسطينية، ولا التشكيك في الحقوق المشروعة للفلسطينيين. وربما يكون الدفاع الحقيقي عن القضية الفلسطينية في التمييز بين القضية والشعب من جهة، وبين القوى التي تتحدث باسمهما من جهة أخرى.
ففلسطين شيء، ومن يدير السياسة الفلسطينية شيء آخر.
وهنا تصبح الأرقام أكثر بلاغة من الشعارات.
آخر استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية يرسم صورة شديدة التعقيد 80% من الفلسطينيين يريدون استقالة محمود عباس، وثلاثة أرباعهم غير راضين عن أدائه. وفي الانتخابات الرئاسية الافتراضية، لا يحصل عباس إلا على 13%، بينما يتقدم مروان البرغوثي بفارق كبير، ويأتي خالد مشعل بعده. وعلى مستوى القوى السياسية، تتقدم حماس على فتح بـ35% مقابل 24%، فيما يقول 32% إنهم لا يؤيدون أيًا منهما أو لا يعرفون لمن يصوتون.
هذه الأرقام تقول شيئًا أساسيًا: هناك أزمة تمثيل فلسطيني، وليست مجرد أزمة خلاف فلسطيني.
فالسلطة الفلسطينية لا تتمتع بثقة شعبية كافية، وحماس لا تملك تفويضًا فلسطينيًا شاملًا، ولم تعد فتح قادرة على الادعاء بأنها تمثل وحدها المشروع الوطني الفلسطيني.
والأهم أن الفلسطينيين أنفسهم يريدون تغيير هذه المعادلة.
65% يؤيدون إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الضفة وغزة، لكن 60% لا يعتقدون أن السلطة الفلسطينية تنوي فعلًا إجراء هذه الانتخابات.أي أن الفلسطينيين يريدون استعادة صندوق الاقتراع، فيما تبدو مؤسساتهم السياسية عاجزة عن استعادة شرعيتها من خلاله.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
إذا لم يكن هناك تفويض انتخابي جديد، فمن أين تأتي شرعية القرار الفلسطيني؟هل تأتي من السلطة؟ أم من السلاح؟ أم من الفصائل؟ أم من الشارع؟ أم من العواصم العربية والإقليمية والدولية التي تتدخل في تفاصيل القضية الفلسطينية؟
ولعل حماس هي المثال الأكثر وضوحًا على هذه المعضلة.
ففي آخر استطلاع، بلغت نسبة الرضا عن أداء حماس خلال الحرب 60%، مقابل 30% لفتح، و29% للسلطة الفلسطينية، و21% فقط لمحمود عباس. كما أن 69% من الفلسطينيين يعارضون نزع سلاح حماس حتى لو كان نزع السلاح شرطًا لمنع عودة الحرب.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الفلسطينيين أعطوا حماس تفويضًا مفتوحًا لقيادة مستقبلهم.
ففي الانتخابات الافتراضية، يتقدم مروان البرغوثي على خالد مشعل بفارق واضح عندما يكون الاثنان في مواجهة مباشرة: 58% للبرغوثي مقابل 39% لمشعل. وهذا تفصيل مهم جدًا، لأنه يكشف أن الشعبية الفلسطينية لا تختصر في ثنائية فتح وحماس، ولا في ثنائية السلطة والسلاح.
ثم هناك المفارقة الأكبر: الضفة وغزة لا تفكران بالطريقة نفسها.
في الضفة، تبلغ معارضة نزع سلاح حماس 78%، مقابل 55% في غزة. وفي الوقت نفسه، تبدو غزة أكثر استعدادًا للترتيبات العملية المتعلقة بإدارة القطاع وإعادة الإعمار، وأكثر انفتاحًا على بعض الصيغ التفاوضية. أما الضفة فتبدو أكثر تشددًا في رفض الخطط الخارجية وأكثر تأييدًا للكفاح المسلح.
وهذا يعني أن الانقسام الفلسطيني ليس فقط انقسامًا بين فتح وحماس، إنه بدأ يتحول إلى انقسام في التجربة والمصلحة والرؤية السياسية بين فلسطيني يعيش تحت الحرب والدمار والنزوح، وفلسطيني يعيش تحت الاحتلال والاستيطان والعنف في الضفة.
والنتيجة أن كلمة "الفلسطينيين" نفسها لم تعد تعني بالضرورة موقفًا سياسيًا واحدًا .فالفلسطيني يمكن أن يؤيد مقاومة الاحتلال، وفي الوقت نفسه لا يكون مستعدًا لدفع ثمن حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وهذا هو الفرق الذي تضيع فيه أحيانًا النقاشات العربية: التأييد للقضية ليس بالضرورة تفويضًا لمن يحمل السلاح باسمها.
وهنا نصل إلى دور الآخرين.
فالقضية الفلسطينية لم تعد منذ عقود قضية يُصنع قرارها فلسطينيًا خالصًا. إسرائيل طرف مباشر، والولايات المتحدة طرف أساسي، وإيران وقوى إقليمية أخرى دخلت في ال حسابات، فيما تؤدي دول عربية أدوارًا في الوساطة والتمويل وإعادة الإعمار. وحماس مرتبطة بمحاور إقليمية، والسلطة مرتبطة بشبكة واسعة من العلاقات الدولية والاتفاقات.
وفي كل مرة تدخل قوة خارجية إلى المعادلة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:هل الفلسطينيون هم الذين يستخدمون الآخرين لخدمة قضيتهم، أم أن الآخرين يستخدمون القضية الفلسطينية لخدمة مشاريعهم؟
وهنا لا بد من الانتباه إلى فارق مهم بين التضامن مع فلسطين والقتال نيابة عن فلسطين.
فليس كل من رفع شعار فلسطين قاتل من أجل الفلسطينيين، وليس كل من أعلن دعمه للمقاومة كان مستعدًا لتحمل نتائج الحرب التي يخوضها الفلسطينيون.
وفي المقابل، لا يجوز أيضًا تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية كل ما جرى، لأن الاحتلال الإسرائيلي وسياساته، والاستيطان، والحصار، والحروب المتكررة، كلها عوامل أساسية في إنتاج هذا الواقع.
لكن الاعتراف بمسؤولية الاحتلال لا يلغي المسؤولية الفلسطينية، ولا يلغي السؤال الأهم: من يقرر الحرب والسلم باسم الفلسطينيين؟وهل يملك الفلسطينيون أصلًا آلية ديمقراطية وموحدة لاتخاذ القرار الذي يحدد مصيرهم؟
ربما تحتاج فلسطين إلى أكثر من مقاومة الاحتلال.تحتاج إلى استعادة القرار الفلسطيني.
إذا كان الفلسطينيون لا يملكون قرار الحرب، ولا قرار السلم، ولا قرار الانتخابات، فمن يملك فلسطين؟