Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

عون يواجه طهران: هل بدأت القطيعة؟(تقرير)

.تكشف تصريحات الرئيس جوزاف عون ضد الحرس الثوري الايراني تحولاً عميقاً في مقاربة الرئاسة اللبنانية للعلاقة مع طهران، وتفتح مرحلة جديدة
الرئيس جوزاف عون
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي-شكّلت تصريحات الرئيس اللبناني جوزاف عون التي اتهم فيها الحرس الثوري الإيراني باستخدام لبنان "ورقة ضغط" في المفاوضات مع الولايات المتحدة نقطة تحول لافتة في العلاقة بين رئاسة الجمهورية اللبنانية وطهران، إذ إنها المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يصدر فيها عن رئيس لبناني موقف بهذا الوضوح تجاه الدور الإيراني في لبنان.
ورغم أن العلاقات بين لبنان وإيران لم تنقطع يوماً على المستوى الدبلوماسي، فإن العلاقة السياسية بين الرئاسة اللبنانية وطهران شهدت تحولات متناقضة خلال العقود الأربعة الماضية، تأثرت بالتوازنات الداخلية اللبنانية وبالتحولات الإقليمية التي أعقبت قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
ففي عهد الرئيس أمين الجميل كانت العلاقة مع إيران محكومة بظروف الحرب الأهلية اللبنانية وبداية صعود النفوذ الإيراني عبر تأسيس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي وشهدت قطع العلاقات الديبلوماسية. أما خلال عهد الرئيس إلياس الهراوي، فقد دخل النفوذ الإيراني مرحلة أكثر رسوخاً تحت المظلة السورية التي كانت تتحكم بالمشهد اللبناني بعد اتفاق الطائف.
وخلال عهد الرئيس إميل لحود بلغت العلاقات بين الرئاسة اللبنانية ومحور دمشق ـ طهران مستوى متقدماً من التنسيق السياسي، خصوصاً مع تصاعد دور حزب الله في مواجهة إسرائيل في جنوب لبنان. وتكرس هذا المسار بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم بعد حرب يوليو 2006 التي عززت مكانة الحزب داخلياً وإقليمياً.
لكن التحول الأكبر جاء مع انتخاب الرئيس ميشال عون عام 2016. فقد اعتُبرت الرئاسة في تلك المرحلة أقرب من أي وقت مضى إلى حزب الله وحلفائه، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقة مع إيران التي رأت في وصول عون إلى بعبدا تتويجاً لتحالف سياسي طويل الأمد. وخلال تلك السنوات، لم تشهد العلاقات بين الرئاسة اللبنانية وطهران أي توتر علني يُذكر، بل اتسمت بالتنسيق السياسي  والتفاهم حول ملفات إقليمية عديدة.
إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع انتخاب الرئيس جوزاف عون. فمنذ وصوله إلى الرئاسة، رفع شعار حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، والعمل على إعادة بناء المؤسسات الرسمية واستعادة ثقة المجتمع الدولي والعربي بلبنان. وبدا واضحاً أن هذا التوجه يتعارض مع الرؤية الإيرانية التي تنظر إلى حزب الله باعتباره جزءاً من منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقود الماضية.
وجاءت الحرب الأخيرة لتُظهر حجم التباعد بين الطرفين. ففي الوقت الذي تسعى فيه الرئاسة اللبنانية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الجنوب إلى سلطة الدولة ومؤسساتها، تؤكد طهران أن أي اتفاق إقليمي يجب أن يشمل لبنان وأن يرتبط بمستقبل حزب الله ودوره العسكري. وقد عبّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوضوح عن هذا الموقف عندما ربط انتهاء الحرب الإقليمية بانتهائها في لبنان، فيما شدد مسؤولون إيرانيون آخرون على أن لبنان سيكون جزءاً من أي تسوية مع الولايات المتحدة.
من هنا اكتسبت تصريحات جوزاف عون أهميتها الاستثنائية. فهي لم تكن مجرد رد على مواقف إيرانية، بل إعلاناً سياسياً بأن الدولة اللبنانية ترفض أن تكون جزءاً من أوراق التفاوض بين واشنطن وطهران. والأهم أنها حملت رسالة ضمنية مفادها أن الرئاسة اللبنانية تنظر إلى السيادة الوطنية باعتبارها أولوية تتقدم على حسابات المحاور الإقليمية.
وتتزامن هذه المواقف مع تطورات داخلية لا تقل أهمية. فالحكومة اللبنانية تخوض مفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن ترتيبات وقف إطلاق النار، بينما يتمسك حزب الله بموقف مختلف حيال شروط الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل المواجهة. وهذا التباين يضع الرئاسة في مواجهة مع رؤية الحزب وحلفائه، وفي مقدمتهم إيران.
ورغم أن الحديث عن قطيعة كاملة بين بعبدا وطهران لا يزال مبكراً، فإن المؤشرات الحالية تدل على دخول العلاقة مرحلة جديدة عنوانها الحذر والتباعد السياسي. فإيران لا تبدو مستعدة للتخلي عن دورها في الساحة اللبنانية، فيما يصر الرئيس اللبناني على أن يكون القرار اللبناني مستقلاً عن مسارات التفاوض الإقليمية.
وفي ظل استمرار الحرب وتداخل الملفات اللبنانية والإيرانية والإسرائيلية والأميركية، قد تتحول هذه الهوة السياسية إلى أحد أبرز عوامل إعادة رسم التوازنات الداخلية في لبنان خلال المرحلة المقبلة. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمصير الحرب أو مستقبل حزب الله، بل بطبيعة العلاقة التي ستربط الدولة اللبنانية بإيران في السنوات القادمة، وبمدى قدرة الرئاسة على فرض رؤية جديدة تقوم على سيادة الدولة واحتكارها للقرار الوطني.
لم تعد الخلافات بين رئاسة الجمهورية اللبنانية وإيران مجرد تباينات في المواقف حيال الحرب الدائرة في الجنوب، بل بدأت تأخذ طابعاً سياسياً مباشراً وغير مسبوق منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون، الذي اختار للمرة الأولى توجيه انتقاد علني وصريح إلى الحرس الثوري الإيراني، متهماً إياه باستخدام لبنان "ورقة ضغط" في المفاوضات مع الولايات المتحدة، ومؤكداً أن هذا الأمر "غير مقبول".
وتأتي تصريحات عون في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أعادت طهران التأكيد على ارتباط أي اتفاق لوقف الحرب الإقليمية بوقف القتال في لبنان وانسحاب إسرائيل من الجنوب، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على أن الملف اللبناني بات جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الإيرانية في مفاوضاتها الأوسع مع واشنطن.
ويكشف الموقف الإيراني المعلن أن لبنان لم يعد يُنظر إليه فقط كساحة مواجهة بين حزب الله وإسرائيل، بل كأحد عناصر التفاوض في الصراع الأميركي – الإيراني. فقد شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن الحرب لن تنتهي إلا عندما تنتهي في لبنان، فيما ذهب مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي إلى اعتبار أن "لبنان سيكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق أو وقف لإطلاق النار".
هذه التصريحات وضعت الرئاسة اللبنانية أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، يسعى الرئيس عون إلى تثبيت صورة الدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة التفاوض بشأن مستقبل البلاد وأمنها. ومن جهة أخرى، تواصل إيران وحزب الله التأكيد أن أي تسوية لا يمكن أن تتجاوز واقع القوة العسكرية والسياسية التي يمثلها الحزب في المعادلة اللبنانية.
ويبدو أن الخلاف يتجاوز الجانب الدبلوماسي إلى اختلاف جوهري في الرؤية. فالرئاسة اللبنانية تراهن على استعادة القرار السيادي للدولة وإبعاد لبنان عن صراعات المحاور، بينما ترى طهران أن الجبهة اللبنانية جزء من منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقود الماضية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تأتي تصريحات عون بعد رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية. فالرفض أظهر بوضوح وجود مسارين مختلفين: مسار تقوده الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الرسمية، ومسار آخر يقوده حزب الله بدعم مباشر من إيران.
وتعكس هذه التطورات تراجعاً في مستوى التنسيق السياسي الذي كان قائماً بين طهران ورئاسة الجمهورية خلال عهود سابقة، ولا سيما في مرحلة الرئيس ميشال عون التي اتسمت بعلاقات أكثر دفئاً مع حزب الله ومحور إيران. أما اليوم، فإن خطاب بعبدا يبدو أقرب إلى خطاب يؤكد أولوية الدولة اللبنانية ورفض تحويل البلاد إلى منصة تفاوض أو ورقة مساومة في الصراعات الإقليمية.
ومع استمرار الحرب في الجنوب وتعثر الجهود الأميركية للتوصل إلى اتفاق شامل، تبدو العلاقة بين الرئاسة اللبنانية وإيران مرشحة لمزيد من التوتر. فكلما ازداد إصرار طهران على ربط التسوية اللبنانية بمفاوضاتها مع واشنطن، ازداد تمسك بعبدا بفصل القرار اللبناني عن الحسابات الإقليمية.
وعليه، فإن السجال الحالي لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، بل يعكس صراعاً أعمق حول هوية القرار اللبناني نفسه: هل يبقى جزءاً من توازنات المحاور الإقليمية، أم يتحول تدريجياً إلى قرار سيادي مستقل تقوده مؤسسات الدولة؟ هذا السؤال قد يكون أحد أبرز عناوين المرحلة السياسية المقبلة في لبنان.

 

آخر الأخبار